لذلك يجب أن يلحظ حين استخدام ذلك الاصطلاح وتعريف مدلوله أن لا يدخل ضمنه إلا ما هو من مقومات شخصية المجتمع التي تجعل منه مجتمعًا معينًا يختلف عن غيره من المجتمعات في طريقة عيشه، فلا تدخل الأشكال والوسائل المادية التي يستخدمها المجتمع في شؤون الحياة والتي لا يتميز بها عن غيره من المجتمعات. فالمصانع والسيارات والطائرات وسائر الإنجازات المادية التي تنتجها أمة من الأمم ليست هي التي تميزها عن غيرها من المجتمعات وليست هي التي تعطيها هويتها. فهذه أشكال ووسائل"حيادية"، وعامة لكل البشر والمجتمعات. فإننا نجد أن المجتمعات التي تتمسك بحضارتها وطريقة عيشها تقف بالمرصاد أمام كل وافد من الأفكار والأنظمة ووجهات النظر في الحياة، إلا أنها تستفيد في الوقت نفسه مما ينتجه أي شعب أو مجتمع من الأشكال والوسائل المادية ما لم تكن تلك الأشكال والوسائل متعارضة مع حضارتها التي تصوغ مجتمعها وتميز حياتها. بل إنك تجد الدولة الراقية التي تتمسك بحضارتها وتفتخر بها حريصة على مواكبة كل ما يتم إنجازه في البلاد الأخرى من الاختراعات والمبتكرات الفنية والتقنية والعلمية، إذ هي من أسباب القوة التي تحرص الأمة الراقية على امتلاكها. لذلك فإننا لا نستغرب أن يعمل كل من الحلفين الشرقي والغربي إبان الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، على مواكبة ما ينجزه عدوه من مبتكرات وصناعات، بل قد يصل بهما الأمر في بعض الأحيان إلى سرقة التصاميم والمخططات العلمية والصناعية والهندسية والعسكرية. وهذا يعني أن هذه الإنجازات والمبتكرات من الأشكال والوسائل المادية ليست هي التي تطبع المجتمع بطابعه الخاص وهويته المتميزة. أما حين يكون الأمر متعلقًا بالعقائد والإديولوجيا والدراسات السياسية وما شاكل ذلك فإنك تجد كلًا من الفريقين متأهبًا دائمًا للمواجهة، إما عن طريق ضرب جدار سميك يحول بين تلك الأفكار ووصولها إلى مجتمعه، وإما عن طريق