ونشأة هذا الاصطلاح تعود في الواقع إلى الدراسات الأوربيّة، وذلك حين درج الغربيون على استخدام كلمة"Civilisation"- وترجمتها إلى العربية الحضارة أو المدنية - للتعبير بها عن التطور المادي والصناعي والعمراني الذي أخذ يطّرد بسرعة خلال العصور الحديثة التي تلت القرن الخامس عشر الميلادي والتي سميت بعصور النهضة. إلا أن تلك العبارة تحولت مع مرور الوقت عن ذلك المدلول لتأخذ مدلولًا آخر جديدًا. فقد أصبحت تطلق على ما يملكه شعب ما أو مجتمع ما أو أمة من الأمم من تراث وخصائص وإبداعات يتميز بها عن غيره من المجتمعات. فأصبح المؤرخون والمفكرون والكتّاب يتكلمون عن حضارات عديدة سالفة ومعاصرة. كالحضارة المصرية القديمة والحضارة اليونانية والحضارة السومرية والرومانية والفارسية والصينية والهندية وحضارة أوربّا العصور الوسطى والحضارة الإسلامية وأخيرًا الحضارة الغربية المعاصرة والحضارة الشيوعية وما شاكل ذلك.
وقد نقل هذا الاصطلاح الغربي إلى اللغة العربية باستخدام عبارتين هما الحضارة و المدنية. فأصبحت هاتان الكلمتان تستخدمان للدلالة على ذلك المعنى الاصطلاحي الجديد.
إلا أن المشكلة في هذا الاصطلاح، هي أن معظم الذين يستخدمونه يُدخلون في مدلوله كل ما يملكه مجتمعٌ ما أو يرثه أو يبدعه من أفكار وتشريعات وفنون وإنجازات علمية ومادية وغيرها، بصرف النظر عما هو من مميزات ذلك المجتمع وما ليس من مميزاته، من ذلك التراث وتلك الإنجازات والإبداعات التي يملكها.
مع أننا حين نتكلم عن حضارة مجتمع من المجتمعات، فإننا نتكلم عن طريقة العيش التي تميز ذلك المجتمع عن سائر المجتمعات. وواضح للعيان تاريخًا وحاضرًا أن لكل مجتمع طريقة في العيش تميزه عن سائر المجتمعات تجعل منه جماعة بشرية ذات شخصية معينة ولون متميز وهوية خاصة، هذه الطريقة في العيش التي تميز مجتمعًا عن آخر هي ما يعبر عنه باصطلاح الحضارة.