الدعاوة المضادة حيث يجند جيشًا من المفكرين والكتاب والنقاد الذين يوسعون الأفكار الوافدة ضربًا ونقضًا وتشويهًا.
كل ذلك يحتم علينا أن نضبط المصطلح الدال على نمط العيش و هوية المجتمع، فنميز بينه وبين ما يدل على مجموعة الأشكال والوسائل المادية المحسوسة المستعملة في شؤون الحياة، والتي هي عامة لجميع الشعوب والمجتمعات. وبالتالي فإننا نخصص كلمة الحضارة للدلالة على ما يميز المجتمع فيجعل له طريقة خاصة في العيش، ونجعل كلمة المدنية دالة على الوسائل والأشكال المادية المستعملة في شؤون الحياة. وبالرجوع إلى واقع المجتمعات وما يجعلها مجتمعات ذات لون معين ونمط خاص في العيش، نجد أن مجموعة المفاهيم التي يعتنقها مجتمع ما عن الحياة هي التي تعطيه هويته وشخصيته وتجعل له طرازًا خاصًا في العيش. إذ إن تلك المفاهيم هي التي تكيف علاقات الناس فيما بينهم في المجتمع، وما المجتمع إلا ناس قامت بينهم علاقات دائمية، وطبيعة هذه العلاقات في المجتمع هي التي تعطيه هويته وشخصيته (1) . وبناء عليه يمكن تعريف الحضارة بأنها"مجموعة المفاهيم عن الحياة".
ونحن المسلمين أحوج ما نكون إلى ذلك التفريق بين الحضارة والمدنية. ذلك أن الإسلام جعل من الأمة الإسلامية أمة متميزة تحيا حياة ذات نمط خاص يتفرد كل التفرد عن سائر أنماط الحياة في المجتمعات البشرية. وما ذلك إلا لأن المجتمع الإسلامي قام على أساس عقيدة مصدرها الوحي الإلهي، انبثق عن هذه العقيدة نظام متماسك وانبنت عليها أفكار شاملة ونجمت عنها مشاعر، فصاغت علاقات الناس في المجتمع الإسلامي. فكانت الحضارة الإسلامية التي تجلت في ذلك المجتمع الإسلامي حضارة متفردة متميزة تتعالى كل التعالي على سائر الحضارات البشرية.
(1) - راجع في هذا الكتاب"المجتمع ونهضته".