الصفحة 49 من 188

وصدق الله العظيم إذ قال: { والذينَ كَفَروا أعمالُهُم كَسَرابٍ بِقِيعةٍ يحسَبُهُ الظمآنُ ماءً حتى إذا جاءهُ لم يجدْهُ شيئًا وَوَجدَ الله عِندَهُ فَوفّاهُ حِسابَه والله ُ سريعُ الحساب } (1) .

وإنه إذا كانت الشيوعية أقصر عمرًا وأضيق نفسًا فانهارت حضارتها بطرفة عين بسبب مصادمتها العنيفة للفطرة ونكايتها لعقل الإنسان وبديهته، فإن الحضارة الغربية سرعان ما ستلحق بها بعد أن تصل بالشعوب الغربية إلى الحضيض. وإذا كانت الشيوعية هي تلك المطرقة التي هوت على رأس الإنسان، أو ذلك المنجل الذي أصاب عنقه فأطاح برأسه وأرداه قتيلًا بالضربة القاضية، فإن الحضارة الغربية الرأسمالية هي ذلك السم الذي يجري في عروق الجسد دون أن يحس به الإنسان فتخور قواه شيئًا فشيئًا إلى أن يلقى حتفه وهو غافل عن نفسه. والذين تنبهوا إلى الخطر المحدق بالمجتمع الغربي يدعون، كما دعا برجنسكي الولايات المتحدة"إلى مراجعة كاملة للفلسفة المادية التي تقوم عليها حضارتها وإخضاع هذه الحضارة إلى عملية نقد ذاتي صارمة، كما أن على أمريكا أن تصل إلى قناعة بأن المجتمع الذي لا يمتلك قيمًا وثوابت مطلقة، والذي يقوم على فلسفة تحقيق المتعة الذاتية وإرضاء النزوات هو مجتمع محكوم عليه بالانهيار والذوبان. وفي هذا الصدد يهيب برجنسكي بأمريكا أن تفقه دروس التاريخ في ازدهار الحضارات وانهيارها وفي تبوئها مرتبة الريادة وانحسارها عن هذه المرتبة فيقول: إن التاريخ يعلمنا أنه لا بد لأية قوة عظمى - لكي تحافظ على دور الريادة - من رسالة حضارية تقوم على فضائل الأخلاق وتكون نموذجًا يحتذى من الآخرين عن طواعية لا بالقوة والإكراه.... وفي غياب هذه الرسالة الحضارية فإن النموذج الأميركي سيتم رفضه كما رُفض النموذج الشيوعي السوفياتي من قبل" (2) .

(1) - سورة النور - الآية 39.

(2) - مجلة الوعي - العدد 86 - ص 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت