ويقول ديورانت:"لما أعلن روجر بيكن هذه الطريقة إلى أوربا بعد أن أعلنها جابر بخمسمائة عام كان الذي هداه إليها هو النور الذي أضاء له السبيل من عرب الأندلس، وليس هذا الضياء نفسه إلا قبسًا من نور المسلمين في الشرق" (1) . ويقول الأستاذ محمد أسد (ليوبولد فايس) :"إن النهضة أو إحياء العلوم والفنون الأوربية باستمدادها الواسع من المصادر الإسلامية والعربية على الأخص كانت تعزى في الأكثر إلى الاتصال المادي بين الشرق والغرب، لقد استفادت أوربا أكثر مما استفاد العالم الإسلامي، ولكنها لم تعترف بهذا الجميل" (2) .
إن تلك الثورة التكنولوجية، العظيمة التي شهدها القرن العشرون من اكتشاف الذرة واختراق للفضاء وغير ذلك، لا تعزى إلى الحضارة الغربية بقدر ما تعزى إلى تراكم المعلومات والاكتشافات والنظريات والقواعد المعرفية في الذهن البشري وسجلاته المدونة. أي إن تلك الثورة الصناعية كانت تنتظر أي حضارة ناهضة لتثمر على يديها فصادف أن كان دور الحضارة الغربية المعاصرة. بدليل أن النهضة الشيوعية - على ما فيها من مناقضة للحضارة الغربية - حققت إبان إزدهارها نفس المستوى الذي حققه الغرب من التقدم المدني والتكنولوجي، ولولا الانحطاط الذي ألمّ بكيان المنظومة الشيوعية ولاسيما الاتحاد السوفياتي لبقيت تزاحم الغرب في ذلك المجال. كما أن الحضارة الإسلامية اليوم أيضًا مرشحة لأن تلعب ذلك الدور إذا ما عادت الأمة الإسلامية إلى إحيائها من جديد.
لقد بدأت شعوب الغرب اليوم تكتشف أن نهضتها تلك ليست سببًا للسعادة بل هي سبب للشقاء والتعاسة والقلق والخوف والسعي وراء السراب.
(1) - قصة الحضارة - ج 13 ص 292.
(2) - الإسلام على مفترق الطرق - ص 59.