وشهدت البلاد الإسلامية ازدهارًا اقتصاديًا مدهشًا لم يكن لواحدة من الدول القائمة آنذاك حتى أن تحلم به، ويكفينا نموذجًا أن نذكر ما أورده ديورانت عن الاقتصاد في الأندلس حيث قال:"بلغت الإيرادات في أيام عبد الرحمن الثالث 000،045،12 دينار ذهبي وأكبر الظن أن هذا كان يفوق إيرادات حكومات البلاد المسيحية اللاتينية مجتمعة. ولم يكن مصدر هذه الإيرادات هو الضرائب العالية بقدر ما كان أثرًا من آثار الحكم الصالح، وتقدم الزراعة والصناعة ورواج التجارة" (1) . وكلام ديورانت هذا يدل بشكل واضح على أن الدولة الإسلامية لم تكن دولة استعمارية، وأن الاقتصاد الإسلامي لم يكن قائمًا على امتصاص دماء الشعوب ونهب خيراتها وثروات أراضيها، بل كانت الشعوب التي تدخل حظيرة الإسلام تنعم بعدالة الاقتصاد الإسلامي حتى ولو لم تدخل الإسلام. يقول المستشرق أستانلي لين بول في كتابه"حكم المسلمين في إسبانيا":"لم تنعم الأندلس طوال تاريخها بحكم رحيم عادل، كما نعمت به في أيام الفاتحين العرب" (2) . ويذكر ديورانت أن المسيحيين في الأندلس كثيرًا ما كانوا يفضلون حكم المسلمين على حكم المسيحيين (3) ، وأن الأقاليم التي وقعت تحت حكم العثمانيين كرودس واليونان أو البيزنطيين أو البنادقة، حتى بلاد المجر نفسها ارتأت أن الأحوال فيها صارت تحت حكم سليمان إلى أحسن مما كانت عليه أيام آل هابسبرج (4) .
(1) - المرجع السابق - ج 13 - ص 293.
(2) - المرجع السابق - ج 13 - ص 292.
(3) - المرجع السابق - ج 13 - ص 297.
(4) - المرجع السابق - ج 26 - ص 113.