وبذلك كانت هذه العقيدة مقنعة لعقل الإنسان الذي يخاطبه القرآن الكريم قائلًا: { أفي الله شك فاطر السموات والأرض } (1) . وكذلك كانت هذه العقيدة موافقة لفطرة الإنسان التي تنزع إلى عبادة الخالق المدبر، والتي تكلم عنها القرآن الكريم قائلًا: { فأقم وجهك للدين حنيفًا فِطْرَتَ الله التي فطرَ الناس عليها لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون } (2) .
وهكذا كانت هذه العقيدة عقيدة روحية (3) ، فلا تعارض في الإسلام بين المادة والروح أو الناحية الروحية. فإذا كانت الروح هي إدراك الصلة بالله تعالى، فإن الإسلام يكون قد ربط بين المادة والروح حين أمر الإنسان بأن يسيّر أعماله المادية بأوامر الله ونواهيه، فيدرك صلته بالله تعالى حين القيام بالأعمال، فيجمع بين عمارة الدنيا ورضوان الله تعالى. وفي الوقت نفسه كانت هذه العقيدة عقيدة سياسية بما انبثق عنها من نظام للإنسان في حياته ومجتمعه ودولته.
هكذا ندرك الفرق بين الظواهر النهضوية في التاريخ. وهذا ما يجعلنا نقف عند التفسير الحقيقي لتميّز النهضة الإسلامية عن كل ما سواها من النهضات تميّزًا كليًا. وإذا كان لا بد لنا من عرض مقارنة بين النهضة الإسلامية وغيرها، فمن الخطأ أن تكون بينها وبين حضارة العصور الوسطى الأوربية، ذلك لأن العصور الوسطى الأوربية باعتراف الجميع لم تكن عصور نهضة وإنما كانت عصور انحطاط. إذن فلتكن المقارنة بين نهضة الحضارة الإسلامية ونهضة الحضارة الغربية المعاصرة التي تهيمن على العالم اليوم.
بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية
(1) - سورة إبراهيم - الآية 10.
(2) - سورة الروم - الآية 30.
(3) - أنظر موضوع"الروح والناحية الروحية"في هذا الكتاب.