الصفحة 33 من 188

أما المبدأ اللبرالي الرأسمالي الذي ظهر كانسلاخ عن أوضاع العصور الوسطى في أوربا، فهو أيضًا مبدأ خاطىء. ذلك أن عقيدته - عقيدة فصل الدين عن الحياة - ليست عقيدة روحية. فهي بعد أن اعترفت بأن الإنسان مخلوق لخالق - علمًا أنها لا تجزم بذلك - فصلت ذلك الإنسان عن خالقه وقالت له:"إن الخالق خلقك على هذه الأرض ثم تخلى عنك وتركك لتدبر أمرك كيفما شئت" (1) . فخالفت بذلك فطرة الإنسان الذي يرى نفسه عاجزًا قاصرًا محدودًا، ويرى خالقه مدبر أمره وحياته كلها.

وإذا كانت تلك العقيدة - التي هي أصل المبدأ - فاسدة خاطئة فمن الطبيعي أن تكون الأنظمة التي انبثقت عنها فاسدة، والحضارة التي قامت عليها منحرفة.

أما الإسلام، فهو مبدأ مقنع للعقل وموافق للفطرة. ذلك أن عقيدته التي أوحاها الله تعالى إلى رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - أعطت الفكرة الكلية الصحيحة عن الكون والإنسان والحياة حين قررت أنها جميعها مخلوقة لخالق، وعما قبل الحياة الدنيا وهو الله تعالى، وعما بعدها وهو يوم القيامة، وحددت علاقة الإنسان بخالقه، وهي وجوب الانقياد لأوامره ونواهيه وتسيير الحياة بالنظام الذي أنزله على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، وربطت الإنسان وهو يعيش على هذه الأرض بيوم القيامة وما بعده وذلك بأن وعدته بالجنة إن هو فوّض أمره لخالقه سبحانه وانقاد لأوامره ونواهيه، وتوعدته بالنار إن هو خالف وتمرد وعصى. يصف الله تعالى لنا رحلة الإنسان منذ نزوله إلى الأرض وحتى خروجه منها يوم الحساب قائلًا:

{ قلنا اهبطوا منها جميعًا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } (2) .

(1) - راجع: بهجة المعرفة- المجموعة الثانية - ج 4 - ص 359.

(2) - سورة البقرة - الآيتان 38 - 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت