إن التطور في العمران والمدنية والتقنية والعلوم والنواحي المادية، وإن كان أمرًا مهمًا لاستمرار الحضارات، إلا أنه ليس المقياس في الحكم على مدى رقي الحضارة أو انحطاطها، ولا على مدى صوابيتها أو فسادها. فإذا كانت الحضارة كما أسلفنا هي مجموعة من المفاهيم تكيّف نمط العيش في المجتمع، فإن هذه الحضارة تُقوّم بالنظر إلى ما أوجدته في المجتمع من طريقة في العيش وما أمّنته للإنسان من الاستقرار والاطمئنان والهناء. لذلك ليس غريبًا أن نقوم بمقارنة بين الحضارة الإسلامية التي تجلت على أرض الواقع طوال العصور الوسطى وبين الحضارة الغربية المعاصرة على ما وصلت إليه من تطور مدني وتكنولوجي وعلمي. فجوهر التباين بين هاتين الحضارتين هو بالدرجة الأولى تباين نوعي، وليس تباينًا في مدى التقدم المدني والتقني أو ما شاكل ذلك.
وإذا كان التباين النوعي البعيد بين كل من هاتين الحضارتين يجعل من الصعب علينا استيفاء المقارنة، فبإمكاننا أن نذكر قسطًا من تلك الفروق.