أما في أوربا، فقد أدى الصراع كما رأينا بين رجال الكنيسة من جهة والملوك والفلاسفة من جهة أخرى إلى ولادة مبدأ جديد، هو اللبرالية التي تقوم على عقيدة"فصل الدين عن الحياة"، أو ما يسمى"بالعلمانية". فكانت هذه العقيدة السياسية قاعدة فكرية قامت على أساسها الحضارة الغربية المعاصرة، وانبثق عنها النظام الرأسمالي الذي يقوم على جعل الإنسان حرًا من أي قيد دينيًا كان أو غير ديني. وهذا ما أدى إلى النهضة الغربية التي لاتزال قائمة إلى يومنا هذا، وتعمل على غزو المجتمعات وتحويلها إلى طريقة عيشها.
هذا هو التفسير الحقيقي للنهضة. إنها ذلك الارتقاء الفكري المتمثل في عقيدة عقلية سياسية تصلح قاعدة لأفكار المجتمع وأصلًا لانبثاق نظامه وأساسًا لحضارته. وبعبارة مختصرة:
إن وجود"المبدأ"لدى أمة هو السبب في نهضتها.
النهضة الصحيحة والنهضة الخاطئة
إذا كان معظم المفكرين والمؤرخين والفلاسفة الغربيين يقفون عند حد البحث عن النهضة وأسبابها وتفسيرها، فمن الخطأ أن نتابعهم على ذلك. فها هو التاريخ قد أعطانا نماذج عدة من النهضات. ولم تكن كل نهضة كالأخرى، وإنما هناك اختلاف جوهري عميق، بل وأساسي بين نهضة وأخرى. فليس من الصواب أن يكتفي الإنسان بالبحث عن مطلق نهضة، بل عليه أن يبحث عن تلك النهضة التي تؤدي إلى هناء الإنسان أي إلى طمأنينته الدائمة. وبعبارة أخرى: ما دام هناك نهضة صحيحة وأخرى فاسدة، فهذا يعني أن على الإنسان أن يتحرى تلك الصحيحة.