ففي جزيرة العرب ظهر الدين الإسلامي كمبدأ يقوم على عقيدة عقلية تعطي فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة وعما قبل الحياة الدنيا وعما بعدها وعن علاقتها بما قبلها وما بعدها، وهي عقيدة"لا إله إلا الله محمد رسول الله". وعن هذه العقيدة انبثق أعظم نظام للإنسان في حياته ومجتمعه ودولته، فنظّم علاقة الإنسان بخالقه بما بيّنه من عقائد وما شرعه من عبادات كالصلاة والصوم والحج، ونظّم علاقته بنفسه بما شرعه من الأخلاق وأحكام المطعومات والملبوسات، ونظّم علاقته بغيره من الناس بما شرعه من أنظمة للمجتمع والدولة. فانبثق عن تلك العقيدة نظام للحكم عرف بنظام الخلافة، وانبثق عنها نظام للاقتصاديبيّن للدولة مصادر المال وكيفية توزيعه وإنفاقه، ونظام اجتماعي ينظم علاقة الرجل بالمرأة ويعالج مشاكل الأسرة، ونظام للعقوبات وغير ذلك. وقد تمثل انبثاق تلك الأنظمة عن العقيدة الإسلامية بأنها استُنبطت كلها من القرآن والسنة اللذين نزلا وحيًا من الله على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -.
وكانت هذه العقيدة قاعدة فكرية انبنت عليها الحضارة الإسلامية العريقة، وبذلك تحققت النهضة في بلاد العرب لتتوسع وتشمل مساحة عظيمة من المعمورة، منتشرة بسرعة لم يسجل لها التاريخ مثيلًا، من الصين شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا. ويصف ديورانت البلاد الإسلامية في ظل الخلافة، فيرى أن"الخلفاء قد أمّنوا الناس إلى حد كبير على حياتهم وثمار جهودهم، وهيأوا الفرص لذوي المواهب، ونشروا الرخاء على مدى ستة قرون في أصقاع لم تر قط مثل هذا الرخاء بعد عهدهم، وبفضل تشجيعهم ومعونتهم انتشر التعليم، وازدهرت العلوم والآداب والفلسفة والفنون ازدهارًا جعل آسية الغربية مدى خمسة قرون أرقى أقاليم العالم كله حضارة" (1) .
(1) - قصة الحضارة - ج 13 - ص 151.