الصفحة 29 من 188

وكما كان شأن الشعوب الأوربية في العصور الوسطى، فكذلك كان شأن العرب في الجاهلية. فلم تكن لهؤلاء عقيدة عقلية سياسية تربط بينهم وتقوّي أواصر مجتمعهم بتنظيم علاقاته، وإنما كانوا يحملون عقيدة كهنوتية تقليدية هي"الوثنية"، وبالتالي لم تكن صالحة لأن تكون قاعدة لأفكارهم ولا قيادة فكرية لحركة مجتمعهم. وبذلك كان ذلك المجتمع منحطاًّ، حيث سادت القبلية التي جعلت من القبائل والعشائر مجتمعات متناحرة متقاتلة لا تفتأ تشن الحروب فيما بينها، ليس من أجل شيء إلا الثأر والعصبية، فعُرف ذلك المجتمع بالمجتمع الجاهلي.

ولكن شعوب الجزيرة العربية - على الرغم من انحطاطها - سرعان ما خرجت من ظلام الانحطاط إلى ضياء النهضة والرقي أوائل العصور الوسطى على نحو انقلابي مفاجىء. بينما استمر الانحطاط مخيمًا على الشعوب الأوربية قرونًا متطاولة حتى حلول العصر الحديث حيث لم تظهر بوادر النهضة إلا أواخر القرن الخامس عشر، ولم تؤت ثمارها إلا أواخر القرن الثامن عشر.

على أي حال، سنصرف النظر عن الفارق الزمني بين مولد كل من هاتين النهضتين وسرعة إثمارهما، ونطرح السؤال الآتي: ما العامل الذي توفر في هذين المجتمعين حتى دبّت فيهما عوامل النهضة وخرجا من حال الانحطاط إلى حال الرقي؟

إن الجواب يكمن فيما أسلفناه من فلسفة للنهضة. لقد وُجدت في كل من هذين المجتمعين عقيدة عقلية سياسية كانت بمثابة مبدأ قام عليه بنيان حضاري شامل قاد المجتمع نحو الارتقاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت