الصفحة 28 من 188

فالمبدأ - وهو العقيدة العقلية التي ينبثق عنها نظام- هو الذي كانت تفتقر إليه شعوب أوربا في العصور الوسطى. أي إن تلك الشعوب لم تكن تمتلك فكرًا مبدئيًا تنهض على أساسه. صحيح أن تلك الشعوب كانت تتدين بدين واحد وعقيدة واحدة هي النصرانية، إلا أن تلك العقيدة لم تكن عقيدة سياسية، وإنما مجرد عقيدة وجدانية تلقتها تلك الشعوب تقليدًا عن الآباء والرهبان والقساوسة (1) ، وبالتالي لم تكن مؤهلة لأن تكون قاعدة لأفكار نهضوية في المجتمع، وبالتالي لم تنبثق عنها أنظمة للحياة والمجتمع والدولة، وإنما هي مجرد عقيدة روحية تبيّن علاقة الإنسان بخالقه، كما ترشد إلى مجموعة من الأخلاق والقيم الروحية والإنسانية. وإننا إذا قلّبنا صفحات الإنجيل كلها فلن نجد أثرًا لنظام للحكم أو الاقتصاد أو العقوبات أو ما شاكل ذلك. وإذا كان الملوك ورجال الكنيسة قد حكموا باسم الدين والتفويض الإلهي فهذا لا يعني أنهم رعوا شؤون الناس بقوانين استُمدت من الدين والإنجيل، بل طبقوا أنظمة وقوانين وضعية لا تمتّ إلى المسيحية بصلة، وكانت من أحطّ أنواع الأنظمة، وهي ما عرف بالنظام الإقطاعي. يقول ديورانت عن شريعة الإقطاع:"كانت العادات والشرائع شيئًا واحدًا في نظام الحكم الإقطاعي حيث كان القضاة والقائمون بتنفيذ القانون المدني عادة أميّين. فإذا ما ثارت مشكلة خاصة بالقانون أو العقاب، سئل أكبر أعضاء المجتمع سنًا عما جرت به العادة في هذه المشكلة أيام شبابهم، ولهذا كان المجتمع نفسه المصدر الرئيس للقوانين" (2) .

باختصار: إن الانحطاط الذي عرفته أوربا خلال العصور الوسطى مردّه في الحقيقة إلى تلك الثقافة المنخفضة التي كانت سائدة فيها.

(1) - راجع ول ديورانت - قصة اللحضارة - ج 16 - ص 12 - 13.

(2) - قصة الحضارة - ج 14 - ص 434.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت