إن الواقع المحسوس والتاريخ -فضلًا عن النظر والتفكير المستنيرين- يُثبتان أن فكرًا كهذا لا يمكن أن يوجد إلا بوجود قاعدة فكرية له. ذلك أن كل بنيان يحتاج إلى أساس، ووجود القاعدة الفكرية هو الذي من شأنه أن يصلح أساسًا لذلك البنيان الفكري. وهذه القاعدة الفكرية -التي هي الفكر الأساس - لا يمكن أن تكون قاعدة إلا بأن تكون عقيدة عقلية تعطي فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة، فتعرّف الإنسان بأصله ومآله، وبالتالي تعرفه بطبيعة حياته والغاية منها. وهكذا تكون هذه العقيدة صالحة لأن يُبنى عليها ذلك البنيان الفكري، كما أن من شأنها أن تكون عقيدة سياسية بحيث تنبثق عنها أنظمة للحياة ترعى شؤون الناس في مجتمعهم وتتوافق مع أفكارهم التي يحملونها والمشاعر السائدة بينهم. مما يجعل من ذلك المجتمع كيانًا حضاريًا متميزًا ومنفردًا، وتكون عقيدته تلك التي يعتنقها قيادة فكرية له تسير به ارتقائيًا نحو النهضة. وهذا الفكر يسمى الفكر المبدئي (1) .
(1) - ورد في الموسوعة الفلسفية في مادة"مبدأ": المبدأ فكرة رئيسية، والقاعدة الأساسية للسلوك. ومن الناحية المنطقية، المبدأ هو المفهوم الرئيسي، والأساس لأي نظام.