ثم يأتي القرن السابع عشر ليشهد بزوغ الاعتقاد لدى الفلاسفة والكتاب الأوربيين أن الحقيقة عن طبيعة الإنسان والكون يمكن أن تكتشف بالعقل، وفي الوقت نفسه أدى التفسير النقدي للكتب المقدسة والاهتمام بمقارنة الأديان إلى إضعاف هيبة العقيدة الدينية الرسمية. وفي باب الدين انعكست روح العصر العلمية في إنكار المعجزات والوحي الإلهي، وكذلك في مقاومة الاندفاع العاطفي الحماسي. ومن خصائص تفكير"الكتّاب المتنورين"- وهو الاسم الذي عرفوا به في تلك الحقبة - والذين كانوا يلقبون بالفلاسفة، أنهم وإن لم يكونوا عادة ملحدين، كانوا مثلًا يَرَوْن - على أسس إنسانية صرف - أنه من غير المعقول أن يفرض المرء عقيدته الدينية على فرد آخر أو أمة أخرى، وقد حولت أخبار الرحلات الاهتمام نحو العامل المشترك في جميع الأديان. وهو الاعتقاد بالله كمصدر لكل وجود. من هنا نشأت فكرة الوثني النبيل، وفكرة الإيمان الطبيعي بالله التي كانت تنطوي على القول بأن الله ما أن خلق الدنيا حتى تركها تجري وشأنها، أو"على غرار الساعة"كما قال ألكسندر بوب في"مقالته في الإنسان"سنة 1733 (1) .
وفي القرن الثامن عشر يتتابع"الفلاسفة المتنورون"ليؤكدوا فكرة فصل الدين عن الحياة والمجتمع والدولة. فها هو مونتسكيو المتوفى سنة 1755، على الرغم من أنه لم يكن ملحدًا ينتقد الكنيسة ورجال الدين بشدة (2) .
(1) - المرجع السابق - ج 4 ص 356-359.
(2) - الموسوعة الفلسفية - مادة"مونتسكيو".