وكذلك فولتير المتوفى سنة 1778 والذي نقد في مؤلفاته التاريخية النظرة الإنجيلية والمسيحية عن تطور المجتمع ورسم خطوطًا عريضة لتاريخ الإنسانية. ففلسفة التاريخ تقوم عنده على أساس فكرة التطور التقدمي للمجتمع في استقلال عن إرادة الله، وقد ناضل ضد الكهنوتية وما سماه بالشطحات الخيالية الدينية. وكانت المسيحية والكنيسة الكاثوليكية الهدف الرئيس لتهكمه حيث اعتبرها العدو الرئيس للتقدم (1) .
وها هو جان جاك روسّو الذي اعتُبر كتابه"العقد الاجتماعي"عمدة الثورة الفرنسية الكبرى والذي أصبح إنجيل الشعب الفرنسي عقب الثورة، يدعو إلى الإيمان بالله وإنكار الوحي (2) ، وبالتالي إلى فصل الدين عن الحياة. ويرى أن واضعي الشرائع ومن بعدهم الحكام والملوك لم ينسبوا القوانين والشرائع إلى الله إلا من أجل أن يعطوها صفة الإلزام وإنزال الرهبة في قلوب الشعب من مخالفتها، فيقول:"فبما أن المشرع لا يستطيع استخدام لا القوة ولا المحاجّة، فعليه أن يلجأ إلى سلطة من نوع آخر يمكنها أن تقود دون عنف وأن تقنع دون إفحام. هذا ما أجبر آباء الأمم في جميع الأزمنة على الاستعانة بتدخل السماء وأن ينسبوا إلى الآلهة فخار حكمتهم الخاصة، لكي تطيع الشعوب (...) هذا العقل السامي الذي يرتفع فوق إدراك الناس العاديين، هو العقل الذي يضع به المشرع الأحكام على أفواه الخالدين، ليقود بالسلطة الإلهية أولئك الذين لا يمكن أن تزحزهم الحكمة البشرية. ولكن لا يحق لكل إنسان أن يجعل الآلهة تتكلم ولا أن يكون مصدَّقًا عندما ينبىء الناس أنه ترجمانها" (3) .
(1) - المرجع السابق - مادة"فولتير".
(2) - المرجع السابق - مادة"روسّو".
(3) - جان جاك روسو - العقد الاجتماعي - ص 85.