إن ثبات المبدئيين على ذلك النهج وتلك المواقف، أدى إلى اضطهادهم وظلمهم ومواجهتهم بالقتل والتشريد والسجن وقطع الأرزاق وترويج الدعاوات الإعلامية لتشويه صورتهم أمام أعين الناس، مما جعل المجتمع يتجمد في وجههم بعض الأحيان، وذلك إزاء الإرهاب المادي والإعلامي الذي يمارس ضد الدعاة ومن يلتف حولهم ويؤيدهم.
إلا أن كل ذلك لم يثن الذين يعتنقون أعظم عقيدة ويحلمون بجنات عرضها السماوات والأرض عن دعوتهم التي نذروا حياتهم لها، وتحملوا الأهوال لأجلها، ورأوا أن القضية قضية حياة أو موت واتخذوا إزاءها إجراء الحياة والموت. فهم يتذكرون دائمًا قول الله تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} (1) .
وما أشبه ذلك بما حصل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ومن يؤيدهم ويحميهم. فقد حاصرت قريش آل هاشم، لأجل أنهم دافعوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -وحاربت كل من يعين أو ينصر دعوة الحق أو يصغي إلى كلمة الإسلام. فتجمد المجتمع في وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ووقف الناس موقف المراقب والمترقب الذي ينتظر ما ستؤول إليه الأمور. إلا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صبر على دعوته ودأب يبحث عن مجال آخر للدعوة، حتى أكرمه الله سبحانه وتعالى بإيمان أهل المدينة وتحقق بذلك نصر الله تعالى لرسوله الكريم.
(1) - سورة البقرة - الآية (214) .