وبذلك تسنّىلهم أن يظهروا أي معالجة واقعية بالمظهر الشرعي. والأمثلة على ذلك كثيرة، نذكر منها على سبيل المثال ما قام به بعض"الفقهاء"حين أرادوا إباحة المشاركة في الحكم، فقد وضعوا دراسة أتوا فيها بأدلة على جواز الحكم بغير ما أنزل الله تتلخص في الاستدلال بشرع من قبلنا حيث ادعوا أن يوسف عليه السلام حكم بغير ما أنزل الله، واستدلوا بالمصالح حيث رأوا أن الحكم بغير ما أنزل الله مشاركةً مع الحكام يحقق مصلحة للمسلمين، وعطلوا الآيات القطعية في تحريم الحكم بغير ما أنزل الله. ثم ادعوا أن وجود النجاشي على رأس السلطة في الحبشة دليل على جواز الحكم بغير ما أنزل الله، ونسوا أو تناسوا أن النجاشي كان يخفي إسلامه لأنه لم يكن يجرؤ على إعلان إسلامه أمام قومه، وكانت المدة بين إسلامه وموته قصيرة جدًا، حتى إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يعلم بإسلامه إلا يوم موته (عن طريق الوحي) (1) . وعندما أباح بعضهم التدرج في تطبيق الأحكام الشرعية، استدل بنزول الوحي منجمًا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. مع أن المسألة بحث في كيفية تطبيق الشرع لا في كيفية نزوله، وتطبيق الشرع من أفعال العباد ونزول الوحي من فعل الله تعالى، فكيف يقاس فعل العبد على فعل الله؟
وهكذا كان الدعاة الواقعيون مسايرين لأهواء الناس موافقين لأفكارهم ممثلين لأهدافهم وتطلعاتهم في الوقت الذي قام فيه دعاة مبدئيون يدركون قضية الأمة ويعملون على الانتقال بالناس من حالة الانحطاط والانخفاض المتمثلة في التخلف الفكري، إلى حالة النهضة والرقي عن طريق بث الثقافة الإسلامية الصحيحة النقية الصافية.
بدأت المعركة بين الدعاة المبدئيين وأفكارهم من جهة والأفكار السقيمة والأنظمة البالية من جهة أخرى، حتى لاح في الأفق انتصار الفكر الصحيح والعمل المبدئي.
(1) - أنظر: أحمد المحمود - الدعوة إلى الإسلام - من ص 308 إلى ص 315.