فها هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أول يوم بدأ فيه بنشر دعوته نراه يخاطب الناس بحزم وثقة، ويواجه الكفر والكفار بقوة وجرأة وصرامة تامة، ويطرح دعوته متحدية سافرة واضحة المعالم، محددة الألفاظ والمعاني، لا تبقي أي مجال للّبس أو الشك، وليس للتردد فيها أثر ولا للخوف فيها تأثير. فبدأ القرآن ينزل مسفهًا أحلام الكفار، يعيب عليهم آلهتهم ويشين طريقة عيشهم البالية، ويستهزىء بأعرافهم وتقاليدهم. فهو حين يتناول الأصنام نراه يقول: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} (1) ، ويقول: {أفرأيتم الّلات والعزّى * ومناة الثالثة الأخرى * ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذًا قسمة ضيزى * إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان * إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى} (2) ، وحين يتناول تقليدهم الأعمى لآبائهم وتقديسهم لما ورثوه عنهم تراه يقول: {وإذا قيل لهم اتّبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون} (3) ، وحين يتناول الحكام الطغاة بالذم والنقد نراه يقول: {تبت يدا أبي لهب وتبّ * ما أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى نارًا ذات لهب} (4) ، ويفضح الوليد بن المغيرة ويتوعده بالعقاب حين يقول: {ولا تطع كل حلاف مهين * هماز مشّاء بنميم * مّناع للخير معتد أثيم * عتلّ بعد ذلك زنيم * أن كان ذا مال وبنين * إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين * سنسمه على الخرطوم} (5) ، وحين يتناول العلاقات الفاسدة نراه يتكلم عن تطفيف الكيل مثلًا فيقول: ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون * ألا يظن
(1) - سورة الأنبياء - الآية (98) .
(2) - سورة النجم - الآيات (18 - 23) .
(3) - سورة البقرة - الآية (8) .
(4) - سورة اللهب - الآيات (1 - 3) .
(5) - سورة القلم - الآيات (10 - 16) .