وهذا ما حصل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فهو عندما بدأ بالجهر بالدعوة، ومعه الصحابة القلة، واجه مجابهة عنيفة من مجتمع مكة الجاهلي. وواجه الاستهزاء والإيذاء والحصار، ووصل الأمر إلى حد قتل بعض أتباعه. وعُدّ المسلمون جسمًا غريبًا عن المجتمع القائم. ولكن قوة الفكر الذي يحمله عليه الصلاة والسلام وشدة إيمانه به وصبره ومن معه على تحمل الأهوال من أجل نشره وإعلائه، كل ذلك أدى إلى إيجاد الرأي العام على الإسلام، وأصبحت الأجواء مواتية لإقامة الدولة الإسلامية في المدينة وتطبيق الإسلام عمليًا.
إلا أن حَمَلَة الدعوة لن يحققوا التغيير المنشود إذا اتبعوا الطرق الملتوية أو حاولوا مسايرة الواقع الفاسد، أو جربوا تملق الناس أو داهنوا حملة أفكار الكفر والضلال. فمن المتوقع - عندما ينطلق الدعاة ليخوضوا غمرات الدعوة إلى فكرتهم ويبدأون بالتفاعل مع المجتمع - أن يتعرضوا للإغراءات التي تدعوهم إلى مسايرة الأوضاع، أو مداهنة السوقة، أو كسب رضا الناس، كما قد تثنيهم المصاعب والأهوال عن الاستقامة على الطريق المرسوم، وتدفعهم إلى البحث عن وسائل وأساليب قد تؤدي بالدعوة إلى الانكفاء والتقهقر. وقد لفت القرآن الكريم النظر إلى هذه الحقيقة حين خاطب الرسول - صلى الله عليه وسلم - قائلًا: {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذًا لاتخذوك خليلًا * ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلًا * إذًا لأذقناك ضِعف الحياة وضِعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرًا} (1) .
(1) - سورة الإسراء - الآيات (73 - 75) .