الصفحة 164 من 188

بين المبدئية والواقعية

من المعلوم أن الدعوة المبدئية - وهي حركة سياسية - إذا نشأت في مجتمع منحط، فإن مهمتها يجب أن تكون العمل على النهوض بهذا المجتمع. وبما أن المجتمع ينحط بانحطاط العرف العام السائد فيه والأنظمة المطبقة فيه، ويرتقي برقي العرف العام والأنظمة، فإن مهمة الدعوة المبدئية تكون حينئذ العمل على تغيير المجتمع عن طريق تغيير العرف العام والأنظمة، أي عن طريق مكافحة الأفكار والقناعات والمفاهيم والمشاعر السائدة والأنظمة القائمة - وهي مخالفة للمبدأ - من أجل أن تحل محلها أفكار وقناعات ومفاهيم ومشاعر وأنظمة راقية وصحيحة.

وهذا يعني أن على الدعوة المبدئية أن تصطدم بالواقع الفاسد منذ أول يوم لأنها أتت بشيء جديد غريب عن الواقع الذي يعيشه الناس. فمن طبيعة المجتمعات أنها تتمسك بما عندها من أعراف وتقاليد وقناعات ولا تتخلى عنها بسهولة، بل يحتاج الأمر إلى سنين من العمل الدؤوب والكفاح المتواصل والصراع المرير والمصابرة الجلود من قِبَل الدعاة حتى يبدأ الناس بالتخلي عن قناعاتهم وأفكارهم وحتى تبدأ مشاعرهم تصاغ على هيئة جديدة. لذلك فإن الحركات السياسية التي تريد تغيير المجتمع والنهوض به عليها أن تتوقع منذ أول يوم مجابهة الناس لها، ووقوفهم في وجهها وخذلانها. فحملة الدعوة يتكلمون بما يخالف أمزجة الناس، ويخالفون عاداتهم وتقاليدهم، وهذا ما يعُدّه المجتمع تحديًا للعرف وخروجًا على التقاليد التي اكتسبت مع الوقت ما يشبه القداسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت