الصفحة 165 من 188

وإذا راجعنا حوادث التاريخ، وجدنا أن كل دعوة جديدة كانت تجابه بالمحاربة والتعصب والجمود على القديم، وخاصة لدى الشعوب المنحطة. وأكثر ما تتجلى هذه الحقيقة في دعوات الرسل عليهم السلام. فلقد كانوا يبعثون غالبًا إلى شعوب غارقة في ظلمات الانحطاط، فيدعونهم إلى اعتناق العقائد والأديان المبنية على العقل، أي يعملون على النهوض بهم فكريًا، فيواجهون بالاستهزاء والمحاربة والإيذاء والشتم. تأمل في قوله تعالى: {يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون} (1) ، وفي قوله تعالى: {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون} (2) ، وانظر إلى هذه الآيات التي تعدد الشعوب والأقوام التي كذبت رسلها، فيقول تعالى: {كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدُجِر * فدعا ربه أني مغلوب فانتصِر} (3) ، ويقول عز من قائل: {كذبت ثمود بالنُذُر * فقالوا أبشرًا منا واحدًا نتّبعه إنّا إذًا لفي ضلال وسعر * أءلقي الذكر عليه من بيننا بل هو كَذابٌ أَشِر * سيعلمون غدًا مَن الكذابُ الأشِر} (4) .

من هنا نقول، إن التفاف المجتمع حول دعوة سياسية من أول يوم تقوم به لا يدل على نجاحها، بل قد يدل على أن هذه الدعوة فاشلة مخفقة. لماذا؟

لأن من طبيعة الشعوب أن تلتف حول من يمثل أفكارها وقناعاتها وغاياتها، فعندما تلتف الشعوب المنحطة حول حركة سياسية ما من أول يوم، فهذا يعني أن هذه الحركة هي من جنس هذا المجتمع، وتحمل ما يحمل من أفكار وتصورات وقناعات، أي أنها منحطة شأنها شأن المجتمع.

(1) - سورة يس - الآية (50) .

(2) - سورة الذاريات - الآية - 52).

(3) - سورة القمر - الآيتان (9 - 10) .

(4) - سورة القمر - الآيات (23حتى 26) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت