وعدّوا التاريخ الأوربي شاهدًا على نظريتهم تلك، حيث قالوا: إن العصور الوسطى كانت عصور تدين وروحانية، وكان الأوربي المتدين يرى أنه إذا كان هناك تعارض بين التدين والنهضة، وبعبارة أخرى: بين الروح والمادة، فإنه يفضل التدين المترافق مع الانحطاط على النهضة المترافقة مع الإلحاد والضلال أو الكفر.
وقد كانت تلك النظرة مبنية على الفلسفة التي تقول: إن الإنسان مكوّن من روح وجسد، أي إن فيه الناحية الروحية والناحية المادية، وإن هاتين الناحيتين في تركيب الإنسان متناقضتان بحيث لا يمكن إشباع ناحية إلا على حساب الأخرى. فإذا أراد الإنسان أن يتطهر ويسمو إلى مصافّ الملائكة فإن عليه أن يغلّب الروح على الجسد فيعتزل الدنيا ومتاعها ومشاغلها وينصرف إلى شؤون العبادة والتقشف والارتباط بالغيب والنزوع إلى الروحانية. أما إن هو أراد الدنيا ومتاعها والاهتمام بعمارتها وزخرفها فإنه يكون حينئذ قد قرر تغليب الجسد على الروح والابتعاد، بالتالي، عن طهر النفس ونقاء الملائكة، وطلق الغيب وخسر الآخرة.
يصف ول ديورانت هذه النزعة لدى المتديّنين في العصور الوسطى فيقول:"وقد وجّه كثير من المسيحيين همهم كله إلى العمل على أن يستقبلوا يوم الحساب الرهيب طاهرين من الدنس، فكانوا لذلك يرون في كل لذة من ملذات الحواس غواية من غوايات الشيطان، ولهذا أخذوا ينددون بعالم الجسم ويعملون لكبت الشهوات بالصوم وبكثير من أنواع التعذيب البدني، وكانوا ينظرون بعين الريبة إلى الموسيقى والخبز الأبيض والخمور الأجنبية والحمامات الدافئة وحلق اللحية، ويرون في هذه الأعمال استهانة بإرادة الله الجلية الواضحة للعيان" (1) .
(1) - ول ديورانت - قصة الحضارة - ج 11- ص 282.