كما أن العقل الذي يميز الإنسان عن سائر المخلوقات ويؤهله للتعرف على حقائق الكون والإنسان والحياة لقي الازدراء والاحتقار من رجال الكهنوت إلى حد تصويره عدوًا للدين والإيمان، فكان العامة من الأوربيين - كما يقول ديورانت -"يشعرون بأن من الحزم أن يؤمنوا بالأجوبة التي ينطق بها رجال الدين ويؤكدوها توكيدًا يزيل مخاوفهم. ولو أن الكنيسة قد اعترفت بأنها تخطىء تارة وتصيب تارة أخرى لفقدوا ثقتهم فيها، ولعلهم كانوا يرتابون في المعرفة ويرون أنها الثمرة المرة للشجرة المحرّمة تحريمًا ينطق بالحكمة، أو السراب الذي يضل الناس ويغويهم ليخرجوا من جنة السذاجة والحياة الخالية من الشك. وهكذا استسلم العقل في العصور الوسطى للإيمان في أغلب الأوقات والحالات، وجعل كل اعتماده على الله وعلى الكنيسة، كما يثق رجل هذه الأيام بالعلم والدولة" (1) .
وها هو مارتن لوثر رائد الإصلاح الديني الذي أسس ما يسمى بالمذهب البروتستانتي والذي بذل جهده لإعادة روح العصور الوسطى بعدما شعر بتأثير العقل يتسرب إلى المجتمعات الأوربية يشنّ هجومه العنيف على العقل ويدعو الناس إلى رجمه ودوسه بالأقدام:"أنت لا تستطيع أن تقبل كلًا من الإنجيل والعقل، فأحدهما يجب أن يفسح الطريق للآخر... إن كل آيات عقيدتنا المسيحية التي كشف لنا الله عنها في كلمته أمام العقل مستحيلة تمامًا ومنافية للمعقول وزائفة... إن العقل هو أكبر عدو للإيمان... إنه أفجر صنائع الشيطان، كبغيّ فتك بها الجرب والجذام، ويجب أن توطأ بالأقدام ويقضى عليها هي وحكمتها... فاقذفها بالروث في وجهها... وأغرقها في العماد..." (2) .
(1) - المرجع السابق - ج 16- ص 12-13.
(2) - المرجع السابق - ج 24- ص 55-56.