الصفحة 15 من 188

هذه بعض التفسيرات التي تكلم بها المؤرخون والمفكرون لفهم حركتي النهضة والانحطاط. أوردتها فقط لأضع القارىء في أجواء الجهود التي بُذلت لوضع فلسفة للنهضة أو لفهم حركة الحضارات عبر التاريخ. لذلك لن أخصص بحثًا لنقدها، ذلك أنها ليست هي السائدة في عالمنا المعاصر بين أوساط المثقفين، وإنما النظرية السائدة اليوم هي النظرية اللبرالية الغربية التي تأثر بها معظم المثقفين المعاصرين - ولاسيما بعد سقوط الشيوعية - والتي تختلف عنها كلها، وسنخصص لها الفصل التالي.

وسيكون فهمنا الذي سنطرحه لتفسير حركة النهضة والانحطاط بمثابة الرد على كل تلك النظريات. والله الموفق وعليه الاتكال.

فلسفة النهضة في الفكر الغربي المعاصر

إن أغلب مفكري الغرب في التاريخ المعاصر - وتُعد أفكارهم استمرارًا لبعض أفكار عصر النهضة الأوربية - رأوا أن القضية كامنة في مدى الحرية التي يتمتع بها الإنسان. فرأوا أنه بقدر ما يتمتع الإنسان بالحرية تبرز قدرته على الإبداع والإنجاز والابتكار، فيؤدي به ذلك حتمًا إلى التقدم والنهوض. بخلاف ما إذا خضع للعبودية والاستبداد والقيود بشتى أنواعها، فإنه حينئذ يعجز عن الحركة والإبداع والإنجاز، فيرتكس به ذلك حتمًا إلى الانحطاط والتخلف والتقهقر.

وقد رأوا أن أهم عائق يقف بين الإنسان وحريته في الحركة والعمل هو تعلقه بأوهام الغيب والكهنوت وما يسمى بالكائنات الروحانية غير المحسوسة. ويرى هؤلاء أن الشعوب حين يسيطر التفكير الديني على أذهانها، والنزعة الروحية على حياتها ومجتمعها ودولتها فإنها تبتعد عن التعاطي مع الواقع المحسوس، وتبقى مشدودة للتعلق فيما وراء المادة والحياة والكون، وتبقى أسيرة للمفاهيم الدينية والكهنوتية التي تحول بينها وبين حرية الحركة والإنتاج والإبداع، مما يؤدي بها إلى إهمال الواقع الحياتي وبالتالي إلى انحطاطها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت