وهناك من يرى أن البشرية هي دائمًا في ارتقاء مطّرد نحو النهضة. وأن الفرق الذي نراه بين أمة وأخرى في مستوى الرقي أو الانحطاط مردّه إلى أن بعض الشعوب سبقت غيرها في مسيرة"التقدم"وأن الشعوب المتخلفة سرعان ما ستلحق بتلك التي سبقتها. وأما الانحطاط الذي يحل بأمة بعد نهوضها، فينظرون إليه على أنه انتكاسة مؤقتة ناتجة عن انتقال الأمة من مرحلة إلى أخرى وأنه سرعان ما تخرج من انتكاستها تلك لتستأنف نهضتها ولترتقي إلى مستوى أعلى من ذي قبل.
ونجد هذا التفسير لدى مفكرين شهيرين هما هيغل وماركس. إلا أن هناك فرقًا مهمًا بين الاثنين، ألا وهو أن هيغل يرى أن الشكل الأفضل للمجتمع الإنساني والأكثر رقيًا هو الشكل اللبرالي الرأسمالي الذي وصلت إليه دول الغرب ولاسيما دولته بروسيا (1) . بينما يرى ماركس أن أرقى شكل يصل إليه المجتمع يكون حين يصل إلى مرحلة الشيوعية الكاملة التي تعقب الدولة الاشتراكية (2) .
ومن الذين يحاولون إحياء نظرية هيغل في هذه الأيام - ولاسيما بعد انهيار النموذج العملي لنظرية ماركس - الكاتب الأميركي ذو الأصل الياباني"فرانسيس فوكوياما"الذي ذاع صيته مؤخرًا بعد إصداره كتاب"نهاية التاريخ والإنسان الأخير"الذي يبشر فيه بأن التاريخ وصل إلى مرحلته الأخيرة الفضلى بانتصار اللبرالية ذات الطراز الأميركي على كل ما سواها من أنماط العيش الأخرى.
(1) - الموسوعة الفلسفية - مادة هيغل.
(2) - ألاسدير ماكانتاير - مقال من كتاب أعلام الفكر السياسي - تصنيف موريس كرانستون ص 103.