الصفحة 157 من 188

ها هو الغرب في القرن التاسع عشر تزدهر حضارته وتتكون مؤسساته السياسية على أساس قوي، ويستقر مجتمعه إلى حد كبير ويمضي مرتقيًا نحو النهضة، ويقوى اقتصاديًا وعسكريًا، ويبدع مدنيًا وعمرانيًا وتكنولوجيًا، في وقت تتصدع فيه الدولة الإسلامية وتفقد ثغورها الواحد تلو الآخر، وتتفاقم فيها المشاكل والأزمات السياسية والاقتصادية، وتضعف عسكريًا، وتتخلف على الصعيد المدني والتكنولوجي، وتهوي بسرعة نحو الانحطاط. بعبارة مختصرة أخذت الكِفة تميل بسرعة هائلة لصالح الحضارة الغربية.

كل تلك الأوضاع، مضافًا إليها الذهول الذي أصاب الأمة الإسلامية بعدما أيقنت بتفوق عدوها عليها على هذا النحو، جعلت الأرض مفتوحة ليشن الغرب حربًا من نوع جديد على الأمة الإسلامية، يستخدم فيها سلاحًا أمضى من أسلحة الحروب الصليبية. إنها حرب حضارية سلاحها الأفكار ووجهات النظر وأنظمة الحياة، وميدانها الثقافة والمعرفة والمناظرات. ولما كان العامل المعنوي هو العامل الأهم في الحروب حتى الفكرية منها، كانت الأجواء تنذر من البداية بانتصار الغرب على المسلمين. ذلك أن المسلمين بسبب ما لمسوا من تخلفهم وتفوق عدوهم عليهم، بدأوا يفقدون الثقة بمفاهيمهم وأنظمتهم الإسلامية، ما جعل معنوياتهم ضعيفة أمام عدو يتمتع بارتفاع المعنويات ويفتخر بحضارته وأفكاره وأنظمته"العصرية الحديثة".

وهكذا تزاحمت التساؤلات في أذهان المسلمين: لماذا نهض الغرب؟ لماذا تخلفنا؟ هل أخذ الغرب بأسباب القوة وتركناها؟ هل يمكن أن تكون مفاهيمنا غير صحيحة؟ لعلنا فهمنا الإسلام على نحو خاطىء! لعل الغرب أخذ بمحاسن إسلامنا! ألا يجوز أن نأخذ من الغرب أسباب نهضته؟ ألم يأخذ هو منا أسباب النهضة بعد أن كنا روادها؟! ألا يمكن التوفيق بين الإسلام والحضارة الغربية؟ ألا يجوز أن نقتبس بعض الأنظمة من الغرب؟ هل الإسلام يحرّم الانتفاع بما عند الآخرين؟ ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت