لم تكن الحضارة الغربية المعاصرة لتنتصر يومًا من الأيام على الحضارة الإسلامية، ولم يكن الفكر الغربي ليتفوق على المبدأ الإسلامي، ذلك أن المبدأ الإسلامي هو وحده الذي يقوم على العقيدة الصحيحة دون غيرها، ونظامه هو النظام الذي أنزله الله تعالى، فهو النظام الوحيد الصالح للإنسان. فإذا انتصر الغرب في صراعه الفكري والحضاري مع الأمة الإسلامية فإنه لم ينتصر على الإسلام، فالإسلام دين الله الذي يعلو ولا يُعلى عليه، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وإنما انتصر الغرب على المسلمين أنفسهم، الذين لم يعودوا يأخذون الإسلام بقوة وفهم ووعي كما كان شأنهم في السابق.
مع بداية القرن التاسع عشر، ومع اندلاع ثورات التحرر في الغرب، والتي كانت فاتحتها الثورة الفرنسية عام 1789م، أخذت تتبلور معالم الحضارة الغربية المعاصرة ويتكامل بنيانها الفكري وقام المجتمع الغربي على أساس أفكار وأنظمة جديدة تتمثل في الرأسمالية اللبرالية بعد أن كانت تسوده الأنظمة الإقطاعية. وبما أن تلك الحضارة تقوم - كما أسلفنا - على أساس عقيدة عقلية سياسية تنبثق عنها أنظمة للحياة والمجتمع والدولة، فقد أحدثت في الغرب تلك النهضة التي لا نراها نحن المسلمين النهضة الصحيحة، إلا أنها كانت كافية لتقف في وجه أمة تبلد تفكيرها وتحجرت أفكارها وأساءت تطبيق نظامها وعاشت على"هامش"حضارتها العظيمة، هي الأمة الإسلامية.