الصفحة 155 من 188

لقد واجهت الأمة الإسلامية عبر تاريخها الطويل الكثير من الأعداء من كل حدب وصوب، إلا أن العدو اللدود الذي استمر الصراع معه منذ صدر التاريخ الإسلامي وحتى يومنا هذا هو الدول الأوربية، سواء تمثل هذا العدو التاريخي بالإمبراطورية البيزنطية التي حاربها المسلمون حتى أسقطوها عام 1453م، أم بممالك أوربا الغربية الكاثوليكية التي اقتحم المسلمون ديارها عبر الأندلس، أم تمثلت بالدول الغربية الاستعمارية الحديثة التي قامت على أساس حضاري جديد هو الرأسمالية اللبرالية.

ولما لم يكن للدول الأوربية من رسالة حضارية تحملها إلى العالم خلال العصور الوسطى، وتواجه بها المسلمين على الأخص، كان سلاحها الوحيد هو الحروب الصليبية. لذلك لم تكن تشكل آنذاك ذلك الخطر العظيم، ولا سيما على أمة تقوم على حضارة عريقة راقية كالأمة الإسلامية، بل إن تلك الحروب ذاتها لم تكن لتلاقي النجاح لولا الظروف التي لاقتها في العالم الإسلامي من تفكك وتشرذم ونزاع داخلي وتسابق على الولايات والإمارات. لذلك ما أن عاد المسلمون إلى توحيد صفوفهم حتى عاد الصليبيون يجرّون أذيال الخيبة إلى بلادهم. إلا أن الطامة الكبرى كانت حين بدأ المجتمع الغربي يتشكل على أسس جديدة جعلت منه كيانًا حضاريًا جديدًا يملك من الأفكار والمفاهيم والأنظمة ما يستطيع أن يواجه به العالم بأسره، ولاسيما الأمة الإسلامية التي كانت المارد المخيف لأوربا على مر السنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت