حين ظهر علم الكلام على الساحة الثقافية الإسلامية لاقى مواجهة عنيفة من علماء المسلمين وفقهائهم. إذ إنه أدخل طريقة في البحث غريبة عن الحس الإسلامي ومخالفة كما أسلفنا لمنهج القرآن والسنة في بحث العقائد. لذلك عارض معظم الفقهاء علم الكلام وكان حكمهم في المتكلمين شديدًا. من ذلك ما قاله الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه:"حكمي في علماء الكلام أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في علم الكلام" (1) . وقال الإمام ابن عبد البر:"أجمع أهل الفقه والآثار في جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ ولا يعدون عند الجميع، في جميع الأمصار في طبقات العلماء. وإنما العلماء أهل الأثر والفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم" (2) .
إلا أنه مع مرور الزمن بدأ علم الكلام ينتشر بشكل واضح ويلقى قبولًا لدى معظم العلماء، حتى أصبحت عبارة"علم الكلام"مرادفة لعبارة"علم التوحيد"أو"أصول الدين"، بل إن كثيرًا ممن بقوا ينكرون على المتكلمين وعلم الكلام انزلقوا إلى الخوض في مسائله ووفق منهجه دون أن يفطنوا إلى ما وقعوا فيه. وكان من أسوأ آثاره أنه اندمج مع علم أصول الفقه على نحو شوّه ذلك العلم الذي هو من أجلّ العلوم.
ولعل ظهور"علم الكلام"والمتكلمين كان باكورة التأثر الفعلي لدى المسلمين بسائر الثقافات والحضارات. وقد توالت بعد ذلك موجات التأثير التي أصابت البنيان الفكري للأمة الإسلامية.
(1) - تلبيس إبليس - ص (107) .
(2) - جامع بيان العلم وفضله - ج 2 - ص (95) .