إلا أن تلك الدراسة لم تكن دراسة فلسفية كاملة، وإنما دراسة أفكار فلسفية للرد على النصارى واليهود، لأنه ما كان يتسنى للمسلمين الرد إلا بعد الاطلاع على أقوال الفلاسفة اليونانيين، لاسيما ما يتعلق منها بالمنطق واللاهوت. ولذلك اندفعوا إلى الإحاطة بالفرق الأجنبية وأقوالها وحججها. وبذلك أصبحت البلاد الإسلامية ساحة تعرض فيها كل الآراء وكل الديانات ويُتجادل فيها. ولاشك أن الجدل يستدعي النظر والتفكير ويثير مسائل متعددة تستدعي التأمل، وتحمل كل فريق على الأخذ بما صح عنده، فكان هذا الجدل والتفكير مؤثرًا إلى حد كبير في إيجاد أشخاص ينهجون نهجًا جديدًا في البحث والجدل والنقاش. وقد أثرت عليهم الأفكار الفلسفية التي تعلموها تأثيرًا كبيرًا في طريقة استدلالهم، وفي بعض أفكارهم، فتكوّن جراءَ ذلك"علم الكلام"وصار فنًا خاصًا، ونشأت في البلاد الإسلامية بين المسلمين جماعة"المتكلمين".
صحيح أن هؤلاء المتكلمين كان تأثرهم الأساسي هو بالقرآن، وأساسهم الذي يبنون عليه بحثهم هو القرآن، إلا أنهم - وقد تعلموا الفلسفة للدفاع عن القرآن وتسلحوا بها ضد خصومهم - صار لهم منهج خاص في البحث والتفكير، يخالف منهج القرآن والحديث وأقوال الصحابة ويخالف في الوقت نفسه منهج الفلاسفة اليونانيين في بحثم وتقريرهم وتدليلهم (1) .
(1) - راجع: النبهاني - الشخصية الإسلامية، الجزء الأول - (ص 47 حتى 50) .