فبعد ظهور علم الكلام والمتكلمين وانتشار المؤلفات الفلسفية وترجماتها، أصبح الاطّلاع على الفلسفة اليونانية وغيرها، من الأمور المتيسرة في بلاد المسلمين، مما أدى إلى ظهور من عرفوا"بالفلاسفة المسلمين"الذين لم يقتصر عملهم على الاطلاع على بعض جوانب الأبحاث الفلسفية والرد عليها، بل تخطوا ذلك إلى دراسة الفلسفة دراسة كاملة والسير على منهجها بشكل كامل. ومن أشهر هؤلاء"الكندي"المتوفى سنة 260 هـ، ثم جاء بعده"الفارابي"و"ابن سينا"و"جابر بن حيان"وغيرهم.
وقد أخطأ كثيرًا من عدّ فلسفة هؤلاء"فلسفة إسلامية"، ذلك أنها لا تمتّ إلى الإسلام بصلة، بل هي تتناقض مع الإسلام تناقضًا تامًا، سواء من حيث الأساس أو من حيث كثير من التفاصيل. أما من حيث الأساس فإن هذه الفلسفة تبحث في ما وراء الكون، أي في الوجود المطلق، بخلاف الإسلام فإنه إنما يبحث في الكون وفي المحسوسات فحسب، فيقول تعالى: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل النهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون} (1) ، ويمنع البحث في ذات الله، وفيما وراء الكون، ويأمر بالتسليم به تسليمًا مطلقًا، والوقوف عند حد ما يأمر بالإيمان به من دون زيادة، ودون أن يسمح للعقل في محاولة بحثه. وأما من حيث التفاصيل فإن في هذه الفلسفة أبحاثًا كثيرة يعتبرها الإسلام كفرًا، ففيها أبحاث تقول بقدم العالم وأنه أزلي، وأبحاث تقول إن نعيم الجنة روحاني وليس ماديًا، وأبحاث تقول إن الله يجهل الجزئيات، وغير ذلك مما هو كفر صراح قطعًا في نظر الإسلام (2) .
(1) - سورة البقرة - الآية (164) .
(2) - راجع: النبهاني - الشخصية الإسلامية، الجزء الأول - ص (122 حتى 125) .