إذا تأملنا طبيعة الحياة والأجواء التي أحاطت بالعربي في الجزيرة العربية، وجدنا البساطة هي السمة الأبرز في حياته. فالأشياء التي يراها حوله في الصحراء قليلة، وربما استطاع الإنسان أن يعدها بالرمال والجبال والمياه والنخيل في الواحة والإبل والدواب والخيام وبعض البيوت الطينية البسيطة وبعض الماشية والشمس في النهار والقمر والنجوم في الليل، والقليل من الأشياء غيرها. وها هو القرآن الكريم حين يخاطبهم يراعي في ضرب الأمثلة ما يقع عليه نظرهم فيقول: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت } (1) .
وكذلك إذا نظرنا إلى عقائدهم وأفكارهم سنجدها بسيطة تافهة، وهي تتلخص في عبادة الأوثان وتعظيم العشيرة والتفاخر بالأموال والبنين، مع التمسك ببعض القيم والشيم كالشهامة والشجاعة والمروءة والنجدة والكرم وما شابه ذلك. وتبعًا لبساطة تلك العقائد والأفكار، كانت عاداتهم وتقاليدهم وعلاقاتهم تتسم بالبساطة وبعيدة كل البعد عن التعقيد. وبالتالي كانت أذهانهم صافية بعيدة عن التشوش والتعقيد، ولعل ذلك كله يفسر تميّزهم بذاكرة قوية تجلت أكثر ما تجلت في حفظ الأنساب والأسماء والأشعار.
وأما سائر المجتمعات المحيطة التي انتشرت فيها الحضارات القديمة كالرومانية والفارسية والهندية والصينية، فإنها كانت مجتمعات مثقفة متمدنة، ازدحمت في أذهانها الأفكار والمعلومات التي أغدقتها الفلسفات والأديان والنظم والحضارات والثقافات والمعارف المتعددة والمختلفة والمتلونة. وكانت الحياة فيها تتسم بالتعقيد بما فيها من مدنية وعمران ووسائل مادية، مما جعل أذهان الناس فيها مشوشة تتسم بالتعقيد والتكلف.
(1) - سورة الغاشية - الآيات (17 - 18 - 19 - 20)