وهكذا كان العرب الصحراويون مؤهلين أكثر من جميع هؤلاء لتكون فيهم النبوة والرسالة من الله تعالى، ذلك أن أذهانهم كانت مهيّأة لأن تتخلى بسهولة عن العقائد والأفكار التافهة السطحية إذا ما اقتنعت بالفكر الجديد الذي نزل وحيًا من عند الله تعالى، فلا يخلطون بينه وبين غيره من الموروثات الفكرية السابقة، لأن ذلك قد يؤدي إلى وجود دين جديد وحضارة جديدة ليست هي الجاهلية الأولى ولا الإسلام، وإنما هي مزيج من الاثنين لا هوية له ولا لون ولا طعم.
أما لو أردنا أن نتصور ما سيكون حال هذه الدعوة إذا انتشرت بادىء أمرها في المجتمعات الرومانية أو الفارسية أو الهندية مثلًا، فبإمكاننا أن نستحضر في ذهننا الصورة التي أحاطت بالدين النصراني حين انتشر في الإمبراطورية الرومانية حيث أصبح مزيجًا من المسيحية والوثنية والفلسفات اليونانية والهندية وغيرها. وكذلك يمكننا استحضار صورة الفِرَق المبتدعة التي انسلخت عن الإسلام بعد انتشاره خارج الجزيرة العربية والتي ما كانت بدعها في حقيقة الأمر إلا اقتباسًا للأفكار الوثنية والفلسفية الغابرة ومحاولة نَسبها إلى الإسلام زورًا وبهتانًا.
وهكذا كان العرب أهلًا لأن يكونوا النواة الأولى التي تتجسد فيها الحضارة الإسلامية نقية صافية مبلورة واضحة خالية من أي لبس أو لوث أو دخل أو دخن.
فما مدى استمرار ذلك النقاء في الفكر الإسلامي من بعد محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟