الصفحة 130 من 188

حين نقول إن الحضارة الإسلامية هي مجموعة المفاهيم الإسلامية عن الحياة، فهذا يعني أن الحضارة الإسلامية هي العقيدة الإسلامية وما انبثق عنها من أنظمة وما نتج عنها وبني عليها من أفكار. وبالتالي فإنه بقدر ما يكون المجتمع متقيدًا بأوامر الله ونواهيه، سائرًا وفق نظام الله تعالى، ستتجلى فيه الحضارة الإسلامية. وبقدر ما يكون الفكر الإسلامي واضحًا في أذهان المسلمين سيحسنون تطبيقه، وبقدر ما يكون نقيًا وصافيًا ستكون حضارتهم إسلامية صرفة. ونعني بالنقاء والصفاء أن لا يداخل الفكر الإسلامي أي دخل أو فكر غريب. لأن أي فكر غير إسلامي يقحم في الفكر الإسلامي هو تلويث له وتشويه. ذلك أن الفكر الإسلامي - وهو وحي من الله - هو الحق وما سواه هو الباطل، ولا يمكن لهما أن يجتمعا. وهذا كما أسلفنا ما يميّز الحضارة الإسلامية عن غيرها، من حيث إنها لا تمتّ بصلة إلى أي حضارة أخرى. فما مدى النقاء الذي اتّسم به الفكر الإسلامي في أذهان المسلمين وحياتهم خلال التاريخ الإسلامي وإلى عصرنا هذا؟

لقد اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن ينزل الوحي بالإسلام بين قوم أميّين بعيدين أشدّ البعد عن المدنية والحضارات المعقدة والمتشابكة التي شوّشت أذهان الشعوب والأمم، { هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } (1) .

إذا تلمسنا الفرق بين المجتمع الجاهلي في الجزيرة العربية وبين سائر المجتمعات، نجد أن هناك فروقًا مهمة تجعلنا نقف عند شيء ولو يسير من الحكمة في نزول الوحي بين هؤلاء العرب.

(1) - سورة الجمعة - الآية (2)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت