ففي الماضي حين حصر المسلمون تلقيهم للشريعة الإسلامية بالمصادر الأربعة: القرآن والسنة والإجماع والقياس، إنما فعلوا ذلك بناء على أنه لا يجوز أخذ الشريعة من غير الوحي. فالقرآن، هو كتاب الله الذي أوحاه إلى رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - باللفظ والمعنى. والسنة - وهي كل ما صدر عن الرسول من قول أو فعل أو تقرير - إنما تعبّر عن الوحي لأن الرسول لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. فالسنة هي ما أوحي إلى الرسول بالمعنى دون اللفظ.
وأمّا الإجماع - ويقصد به غالبًا إجماع الصحابة - فإنه يعبر عن الوحي، لأن الصحابة الذين أثنى الله على مجموعهم في القرآن الكريم لا يمكن أن يجمعوا على شيء لم يطلعوا على دليله من رسول - صلى الله عليه وسلم -، وبالتالي كان إجماعهم دليلًا شرعيًا لكونه يكشف عن دليل خفي عنا.
وأما القياس، فهو أيضًا مصدر يكشف عن الوحي. ذلك أن القياس ليس -كما يظنه بعض الناس- استنباطًا للحكم من العقل، وإنما هو استدلال على الأحكام بالعلة الشرعية التي جاءت بها النصوص الشرعية من قرآن أو سنة، أي إن قياس حكم على آخر إنما يكون لاشتراكهما بعلة واحدة ورد بها النص الشرعي من قرآن وسنة، وبالتالي كان الاستدلال بالقياس استنباطًا من الوحي.
هكذا كان فهم المسلمين للإسلام وتشريعه في عصور النهضة الإسلامية، أما في عصور الانحطاط هذه، فقد كثرت لدى المسلمين مصادر التشريع وتعددت بحيث أصبح كثير من تلك المصادر لا علاقة له بالوحي، والاستدلال به ليس تلقيًا للشريعة من الوحي، وإنما من العقل والواقع والمصالح وما شاكل ذلك، مما زاد الأمة الإسلامية انحطاطًا وتراجعًا وتقهقرًا.
فعجبًا لأمة تريد نصرة الإسلام - وهو الوحي الذي نُزِّل على محمد - صلى الله عليه وسلم - - بينما هي تستقي الكثير من أحكامها وتشريعها من غير الوحي، وتسعى لنصرته بما نهى عنه الوحي.
لذلك لا يسعنا أخيرًا إلا أن نعود فنذكّر بقوله تعالى: