{ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم } (1) .
براءة الحضارة الإسلامية
من سائر الحضارات
إن الناظر في مجمل الحضارات والأفكار التي سادت الشعوب عبر التاريخ، يجد ظاهرة جديرة بالاهتمام، يَحْسُنُ التوقف عندها لدراستها مليًا. وهي تأثر تلك الحضارات بعضها ببعض، أو انبثاق بعضها من بعض. وقد تكون بعض الحضارات امتدادًا لتلك التي سبقتها، إلا أنها تميزت عنها بسمات جديدة ومِيزات أخرى. فكيف يمكن لنا تفسير هذه الظاهرة ؟
حين نقول إن الحضارة هي مجموع المفاهيم عن الحياة، فهذا يعني أنها مجموعة من الأفكار كبيرة الكم، تتناول مختلف نواحي الحياة والمجتمع، من حكم واقتصاد واجتماع وقانون وسياسة وفن وغير ذلك. فإذا كانت تلك الأفكار هي نتاج العقول أو الأذهان البشرية، فإننا سنصل بالتأكيد إلى حتمية تأثر الحضارات بعضها ببعض، سواء تأثرًا إيجابيًا أو تأثرًا سلبيًا.
ذلك أن العقل البشري الذي أنتج تلك الأفكار واتخذها الناس بعد ذلك مفاهيم، إنما هو محدود بقدر ما أوتي من معلومات. وحين يبدع فإنه يبدع بناء على خزين من المعلومات في الذهن. فالإنسان لا يدرك إلا بقدر ما يملك من معلومات يفسر بها الواقع المحسوس. والإبداع لا يعني أن الإنسان ينشىء أفكارًا جديدة لا صلة لها بالواقع المحسوس أو بالمعلومات السابقة، بل هو إدراك شيء جديد، أو إنتاج فكرة جديدة لم يسبق لأحد أن أنتجها، ولكن أيضًا استنادًا إلى الواقع والمعلومات السابقة. وكل ما في الأمر أن المبدع قد ربط بين معطيات معينة، فأخرج فكرة جديدة لم يسبق لأحد أن أخرجها، فكان أول قائل بها، وذلك بغض النظر عن صحة تلك الفكرة أو خطئها. وبالتالي فإن المبدعين حين يبدعون الأفكار والنظريات أو ربما التخيلات، فإنهم يفعلون ذلك بقدر ما يملكون من معلومات سابقة وحسب طبيعة الربط التي تجري في أذهانهم.
(1) - سورة آل عمران - الآية 31