هذا النمط من العيش الذي يحكم حياتنا اليوم، ليس هو النمط الذي يرضاه الله تعالى ورسمه لنا في الرسالة الإسلامية. لذلك فإن قضية المسلمين المصيرية هي أن يعملوا على استئناف الحياة الإسلامية وإعادة نظام الإسلام إلى معترك الحياة والمجتمع، وأن يقضوا على كل ما يوحي بفصل الدين عن الدولة، من تقسيم المحاكم إلى مدنية وشرعية، ومن تنصيب سلطات روحية، ومن إقامة وزارات للأوقاف والمساجد وما شاكل ذلك. ففي نظام الإسلام هناك سلطة واحدة تحكم بما أنزل الله، وعلى المسلمين طاعتها في طاعة الله. قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا } (1) .
نهضة الأمة الإسلامية بالوحي
لقد قررنا في الفصول السابقة، أن نهضة الإنسان في حياته ومجتمعه ودولته إنما مردّها إلى فكر مبدئي يقوم على عقيدة عقلية تعطي فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة، تكون بمثابة قاعدة فكرية تنبني عليها الأفكار عن الحياة الدنيا وتنبثق عنها أنظمة للحياة والمجتمع والدولة. كما قررنا أن النهضة الصحيحة هي تلك التي تقوم على المبدأ الصحيح، وأن المبدأ الصحيح هو ذلك المبدأ الذي يوافق فطرة الإنسان فيقرر غريزة التدين فيه وسائر الغرائز ويشبعها الإشباع الصحيح، و يكون قائمًا على العقل بحيث يقطع العقل بصحة عقيدته وانطباقها على واقع الكون والإنسان والحياة. ومن ثم قررنا أن ذلك المبدأ هو الإسلام بعقيدته العقلية وما انبنى عليها من أفكار وانبثق عنها من أنظمة.
في هذا الفصل نريد أن نتوقف عند طبيعة المبدأ الإسلامي ومضمونه لندرك طبيعة نهضة الأمة الإسلامية وأركانها ومقوماتها، ومن ثم لنقف على الخطوط الحمر التي لا يجوز للأمة الإسلامية أن تخترقها بوصفها الخط الفاصل بين منطقتي النهضة والانحطاط.
(1) - سورة النساء - الآية 59