[ج 1: ص 95] خُرُوجُ نَبِيٍّ بِأَرْضِ الْعَرَبِ، يُبْعَثُ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ الْحَنَفِيَّةِ، يَكُونُ مِنْهَا مُهَاجَرُهُ، وَقَرَارُهُ إِلَى أَرْضٍ يَكُونُ بِهَا النَّخْلُ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ نَعَتَهَا بِكَذَا وَكَذَا، بِظَهْرِهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ إِذَا رَأَيْتَهُ عَرَفْتَهُ؛ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، ثُمَّ مَاتَ. فَمَرَّ بِي رَكْبٌ مِنْ كَلْبٍ فَسَأَلْتُهُمْ: مَنْ هُمْ؟ فَقَالُوا: مِنَ الْعَرَبِ، فَسَأَلْتُهُمْ: مَا بِلادُهُمْ؟ فَأَخْبَرُونِي عَنْهَا، فَقُلْتُ لَهُمْ: أُعْطِيكُمْ بَقَرِي وَغَنَمِي هَذَا على أَنْ تَحْمِلُونِي حَتَّى تَقْدُمُوا أَرْضَكُمْ، قَالُوا: نَعَمْ، فَأَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا، وَحَمَلُونِي مَعَهُمْ حَتَّى إِذَا جَاءُوا بِي وَادِيَ الْقُرَى ظَلَمُونِي فَبَاعُونِي بِرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَأَقَمْتُ وَرَأَيْتُ بِهَا النَّخْلَ، وَرَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ الْبَلَدَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي، حَتَّى قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ فَابْتَاعَنِي مِنْ ذَلِكَ الْيَهُودِيِّ، ثُمَّ خَرَجَ بِي حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلا أَنْ رَأَيْتُهَا فَعَرَفْتُهَا بِصِفَةِ صَاحِبِي، وَأَيْقَنْتُ أَنَّهُ الْبَلَدُ، فَمَكَثْتُ بِهَا أَعْمَلُ لَهُ فِي مَالِهِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، حَتَّى بُعِثَ مُحَمَّدٌ، وَخَفِيَ عَلَيَّ أَمْرُهُ وَأَنَا فِي رِقِّي مَشْغُولٌ، حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرًا، فَنَزَلَ فِي قُبَاءَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَفِي رَأْسِ نَخْلَةٍ أَعْمَلُ لِصَاحِبِي فِيهَا، وَصَاحِبِي تَحْتِي جَالِسٌ، إِذْ أَقْبَلَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ: يَا فُلانُ، قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي قَيْلَةَ إِنَّهُمْ آنِفًا لَمُجْتَمِعُونَ يُقْبِلُونَ على رَجُلٍ بِقُبَاءَ قَدِمَ مِنْ مَكَّةَ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلا أَنْ قَالَهَا لَهُ أَخَذَتْنِي رَعْدَةٌ مِنَ النَّخْلَةِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنِّي سَقَطْتُ على صَاحِبِي. فَنَزَلْتُ سَرِيعًا، فَقُلْتُ: أَيْ سَيِّدِي، مَا الَّذِي تَقُولُ؟ فَغَضِبَ مِمَّا رَأَى فِيَّ وَرَفَعَ يَدَهُ فَضَرَبَنِي بِهَا ضَرْبَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ قال: مَا لَكَ وَلِهَذَا أَقْبِلْ على عَمَلِكَ، قُلْتُ: لا شَيْءَ سَمِعْتُ مِنْكَ شَيْئًا فَأَرَدْتُ أَنْ أَعْلَمَهُ، فَسَكَتُّ عَنْهُ ثُمَّ أَقْبَلْتُ على عَمَلِي؛ فَلَمَّا أَمْسَيْتُ جَمَعْتُ مَا كَانَ عِنْدِي، حَتَّى أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ بِقُبَاءَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقُلْتُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ وَأَنَّ مَعَكَ أَصْحَابًا لَكَ أَهْلَ حَاجَةٍ وَغُرْبَةٍ، وَقَدْ كَانَ عِنْدِي شَيْءٌ وَضَعْتُهُ لِلصَّدَقَةِ مِنْ طَعَامٍ يَسِيرٍ، فَجِئْتُكُمْ بِهِ وَهُوَ ذَا، فَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لأَصْحَابِهِ:"كُلُوا". وَأَمْسَكَ يَدَهُ وَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذِهِ وَاحِدَةٌ مِنْ صِفَةِ فُلانٍ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَتَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَةِ، فَجَمَعْتُ شَيْئًا ثُمَّ جِئْتُهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: هَذَا شَيْءٌ كَانَ لِي وَأَحْبَبْتُ أَنْ أُكْرِمَكَ وَهُوَ هَدِيَّةٌ أُهْدِيهَا لَكَ كَرَامَةً لَيْسَتْ بِصَدَقَةٍ، فَإِنِّي رَأَيْتُكَ لا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ، فَأَكَلُوا وَأَكَلَ مَعَهُمْ. فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَاتَانِ اثْنَتَانِ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَمَكَثْتُ شَيْئًا ثُمَّ جِئْتُهُ، وَهُوَ بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ مَشَى مَعَ جِنَازَةٍ وَحَوْلَهُ أَصْحَابُهُ، وَعَلَيْهِ شَمْلَتَانِ مُرْتَدِيًا بِوَاحِدَةٍ وَمُتَّزِرًا بِالأُخْرَى، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ تَحَوَّلْتُ حَتَّى قُمْتُ وَرَاءَهُ لأَنْظُرَ فِي ظَهْرِهِ، فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنِّي إِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ أَنْظُرَ، وَأَثْبَتَهُ فَقَامَ بِرِدَائِهِ فَأَلْقَاهُ عن ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى الْخَاتَمِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ كَمَا وَصَفَهُ لِي