ومن نافل القول إن المعركة الرئيسية تجري داخل الإعلام وبواسطته، وقد تفوقت الثورة على النظام في هذا المجال فحطّمته تحطيمًا. ففضلًا عن أن أكاذيبه لا يصدّقها أحد، لضعفها البنيوي وتهاوي منطقها، فإن تسرّب الصور من رجال الأمن والجنود، وهم يرتكبون الجرائم الموصوفة، ضد سكان القرى والمدن الثائرين سلميًا [5] ، يطرح سؤالًا محيرًا: فإن كانت قد تسرّبت بواسطة منشقين عن الأجهزة الأمنية والفرق العسكرية، فمعنى هذا أن تفكك بنية النظام قد بلغ مرحلة متقدمة، وإن سُرّبت عمدًا لإخافة الناس وردعهم عن التظاهر، انطلاقًا من أن بشار يقرأ حقًا في كتاب أبيه البائد، فتلك أقوى إشارة على أن بشارًا يسير على الطريق السريعة نحو السقوط المدوي، بغض النظر عن الكيفية.
الاحتمالات
استنادًا إلى ما سبق التنويه عنه، من ظروف ذاتية وموضوعية للوضع السوري المتفجر، فما هي احتمالات انتصار النظام أو سقوطه؟
كانت التقارير الغربية متشائمة حول إمكانية سقوط بشار منذ اندلاع الأزمة، وكان التركيز على نقطتين أساسيتين هما: عدم وجود البديل الذي يحفظ الاستقرار الإقليمي كما مارسه آل الأسد في العقود الماضية، وعدم تفكك الجيش الذي بدا متماسكًا خلف القيادة، بخلاف ما حدث في تونس ومصر وليبيا واليمن. ثم تُرك الأسد في الأسابيع الأولى ليمارس القمع كما يحلو له فيما يشبه فترة سماح، ومع تأخره في الحسم، طلب مهلة تلو أخرى، فكان الغرب سخيًا معه، لكن أمرين قلبا المعادلة:
أولًا: استمرار التظاهرات رغم الفظائع ومؤامرات الأقربين والأبعدين، فبدأت تتكشف الصور التي تلقي أحجارًا ثقيلة في الماء الراكد.
ثانيًا: تسارع حالات الانشقاق في الجيش والأمن بما يتجاوز القدرة على تصفية المنشقين، كما حدث في حالات سابقة في درعا وحمص وتلكلخ.
والواقع الجديد، يجعل الغرب يعيد النظر في حمايته للنظام السوري، فما دام الاستقرار مهدّدًا بسبب أساليب القمع الوحشي، فلم يعد بُدٌّ من تغيير المسار، لاسيما وأنّ ادعاءه بأن الأغلبية الصامتة هي معه بالضرورة يتهاوى مع اتساع التظاهرات جغرافيًا، وازدياد المشاركين فيها طرديًا [6] ، ولعل أقوى إشارة على سقوط مناطق كاملة بيد الثوار، اضطرار الجيش لاستخدام الطوافات لمطاردة المتظاهرين، فهذا يعني عدم توافر قوى كافية على الأرض لمواجهة الثورة، وأن عملية التحلّل الذاتي تتسارع مع الوقت، والغرب حريص كما في كل الثورات، على وضع يده عليها لتوجيهها الوجهة التي يريد.
وهذا قد يؤدي إلى احتمالين:
-تشجيع قيادة عسكرية من الأقليات على التحرك لوضع حدّ لما يجري من سقوط أكيد، خوفًا على مصير هذه الأقليات المحسوبة على النظام، بعد الجرائم المصوّرة التي ارتكبها أتباعه.