فهرس الكتاب

الصفحة 248 من 2499

ومصر من هوأشدّ قوةً من طغاة الشام وأكثر جمعًا, حتى أذلَّ رقابهم وأضرع خدودهم, فجعلهم سلفًا ومثلًا للآخرين, ليلحق آخرهم بأولهم في أودية الخزي في الحياة الدنيا, ولعذاب الآخرة أخزى, سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلًا ..

غير أنَّ الحزن كلّ الحزن, أن تحرف الثورات عن وجهتها, وأن يحاط بثمرها, وإذا بالنّاس على اختلاف مشاربهم ومضاربهم, قد فرحوا بزوال رموز الظلم واندحارهم-وحق لهم ذلك-,ثم لم تطرف أعينهم أوتحمر حدقهم للظلم العظيم, والذنب الأثيم, وهوالإشراك مع ربهم في حكمه وتشريعه, بل لم ينادي أحد برفع هذا الظلم إلا قليل على استحياءٍ وخجلٍ!

ثم ألفى الناس العلماء والدعاة قد غابوا وتواروا عن مشهد الأحداث, ونأووا بأنفسهم عن إضرام أوارها وإذكاء نارها, لا سيما في بداية المعامع وبواكير احتدامها, مع أنه كان من الواجب عليهم وعلى كل من كانت تؤرِّق مقلتيه مآسي المسلمين وآلامهم, أن لا يألوا جهدًا أويوفّروا فرصةً في ركوبِ أي موجةٍ تحمل في طياتها تباشير الفرج وآمال التغيير ..

فكانت المحصلة أن اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا وقادةً ضلالًا, يلتحفون بالديمقراطية ويتدثرون بها, وآوى الكثير إلى أحضان تلك الأفكار ويمّموا شطرها, إيمانًا بأنها البديل المشرق لليل داجي عاينوا ظلمته ..

وما ذاك إلا لإحجام أهل العلم عن الوصاية على تلكم الثورات, والتصدر للأخذ بزمامها, وإناخة رحالها في المواطن التي يريدها الله سبحانه ويرضاها, وهذا الإحجام لا نريده -كما كل الموحدين-,أن يتكرر في بلاد الشام في هذه الكرة, ولهذا فإننا نسطّر بعض الخواطر والنصائح, نوجّهها إلى دعاة الشام ومشايخها, نشد فيها على أيديهم في بيان الحق وأداء الأمانة التي استودعهم الله إياها, وندعوهم إلى ريادة المسيرة وقيادتها, حتى تستبين للناس السبل, ويدركوا الخلل, فيعصموا من الزلل (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) ..

إن الله سبحانه أورد العلماء حياض معرفته, وخصهم بأشرف العلوم وأجل المطالب, وحري بمن آتاه الله هذه النعم وابتلاه بها, أن يسعى في تصريفها على الوجه الذي يحبه الله سبحانه ويرضاه, وإلا انقلبت تلك المنن وبالًا على حاملها, وقد أخذ سبحانه على أهل العلم في كتابه عهدًا أكيدًا, وميثاقًا غليظًا, أن يبينوه للناس ولا يكتمونه, وأن يعملوا بما علموا, ويصدعوا بما عرفوا وأدركوا, وألا يقولوا على الله إلا الحق, متحملين في ذلك اللأواء والضراء, غير آبهين بجبابرة الأرض وجلاديها, (يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله) ,فمن أوفى بعهده واتقى, جزي بالحسنى, وأثابه ربه في الدنيا ذكرًا حميدًا, وسمعةً طيبةً نضرةً, وفي الآخرة يبعث في جوار النبيين الذين حمل دعوتهم, وبلغ رسالتهم بيضاء صافية, دون دخنٍ يشوبها أوتلبيس يعتريها, أما من نبذ ما آتاه الله وراء ظهره, واشترى به ثمنًا قليلا, فأولئك الذين ماثلهم الله سبحانه في كتابه بأحقر الأمثال, وأذل الأحوال, فقال (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا) ,وقال سبحانه (مثله كمثل الكلب إن تحمل عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت