صرخ الناي فاستمع يا نديمي ... وتنصّت لهذه النفخات
وتأمّل ما في سماعك منه ... وخذ الأمر من يد الأصوات
صور تلك في السّماع تجلّت ... ثم ولّت وما لها من ثبات
واضطراب الجسوم بالوجد يحكي ... دوران الأفلاك بالحركات
عارف الله عارف كلّ شيء ... وسواه من جملة الأموات
كثر القول من ذي الجهل فينا ... فالصّواب السّكوت بالإخبات
قولهم صادق عليهم لأنّ ال ... حكم فرع عن التّصوّر آت
والذي نحن فيه هم في سواه ... أين نور الهدى من الظّلمات
لو يحوزون ذرّة من صواب ... تركونا وهذه الآيات
يا أخي العين لو ترى بك ما بي ... كنت مثلي تفوه بالشّطحات [1]
أنا صبّ أهيم في كلّ شيء ... حيث ألغيت جملة الكائنات
وتجلّت عليّ ذات خمار ... نورها لاح من جميع جهاتي
وأنا حافظ قضية حكمي ... والحدود التي بهنّ نجاتي
فلهذا أحبّ كلّ لذيذ ... وفؤادي يدوم في الشّهوات
وأنا مغرم بكلّ مليح ... في حياتي هنا وبعد مماتي
وإذا لامني الجهول أنادي ... حسبك الجهل عن أتمّ صفاتي
وقال رضي الله عنه من الموشح وهو عروض حيّا الحيا وادي النّقا والأجرع:
(دور) أنوار شمس الذّات لمّا لاحت ... أرواحنا شوقا إليها راحت
يا زهرة في روض قلبي فاحت ... نفسي بما قد أضمرته باحت
(دور) يا من هو الموجود عند السّالك ... لا غيره إذ كلّ شيء هالك
احكم بما قد شئت أنت المالك ... كلّ الورى بالعشق فيك ارتاحت
(دور) أنت الذي قامت بك الأشياء ... أنت الذي ضاءت بك الظّلماء
عن حكمك العدل الورى أفياء ... إن زال عنها الحكم يوما طاحت
(1) شطح في السير أو في القول: تباعد واسترسل.