ولسياق الحال أيضًا أثره في تبيين الظروف المكانية والزمانية، وضبط النص، وله أثره في حسن فهمه، وذلك بتحديد نوع الأمر أو النهي، وبيان هيئة الفعل، وسلامة الترجيح، ودفع الإشكالات الواردة على الحديث. ومن الأمثلة التطبيقية على أحد هذه الأنواع: حديث عائشة -رضي الله عنها- أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها وعندها امرأة، قال: من هذه؟ قالت: فلانةُ تذكرُ من صلاتها. قال: مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله، حتى تملوا، وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه )) [1] . وقد اختلف في المراد بقوله - صلى الله عليه وسلم -:"مه". هل نهي لعائشة عن مدح المرأة لأنها كانت حاضرة، أم أنَّ النهي لأن العمل لا يُمدح بمثله، قال ابن رجب:"ويحتمل - وهو الأظهر وعليه يدل سياق الحديث - أن النهي إنما هو لمدحها بعمل ليس بممدوح في الشرع" [2] .
وأختم ببيان الضوابط التي ظهر للباحث أهمية اعتبارها عند التعامل مع دلالة السياق:
-ضوابط التعامل مع دلالة السياق:
إن الناظر في تطبيقات الأئمة لدلالة السياق بشتى مرادفاتها، يتبين له جملة من الضوابط التي كانوا يراعونها في تعاملهم مع دلالة السياق، وهذه الضوابط تقي من الزلل في التعامل مع دلالة السياق، ومن تلك الضوابط:
1.أن يكون النظر إلى سياق الألفاظ تاليًا لجمع ألفاظ الحديث، وتمييز درجة كل لفظ من حيث القبول أو الرد. وهذا في السياق الخاص أو (الجزئي) .
2.الوقوف على جميع الأحاديث المتفقة في المعنى مع الحديث محل الدراسة، إذا كان المراد التعرف على السياق الكلي لتلك الأحاديث. ومما يُلحق بهذا الأمر معرفة مسالك الأئمة في سوق الأحاديث داخل الأبواب الفقهية.
3.معرفة سبب ورود الحديث، فإن له أثر في فهم سياق الحديث، ولذا فينبغي العناية بالوقوف على سبب الحديث إذا كان للحديث سبب، فإنه يمثل سياق المقام.
(1) أخرجه البخاري (حديث43) .
(2) فتح الباري لابن رجب (1/150) .