الصفحة 44 من 47

ومن الأمثلة التطبيقية على ذلك: حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( إنَّ أحدكم إذا قام يصلي جاء الشيطانُ فلبَّس عليه، حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم، فليسجد سجدتين، وهو جالسٌ ) ) [1] . قال ابن بطال:"ولم يفرق بين أن تكون صلاته فريضة أو نافلة، والأفعال نكرات، والنكرات في سياق الشرط تعم، كما تعم في سياق النفي، والله سبحانه وتعالى أعلم" [2]

وفي مجال ضبط النص ودفع ما قد يعتريه من سقط أو غموض، فإنَّ دلالة السياق كشفت عن بعض أنواع السقط في المتن، وأسهمت في تعيين مبهمات المتن، وتحديد صاحب القول عند الاشتباه، واستبعاد الغريب من الأقوال، ومن الأمثلة التطبيقية على ذلك: حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( أقيموا الركوع والسجود، فوالله إني لأراكم من بعدي، وربما قال من بعد ظهري إذا ركعتم وسجدتم ) ) [3]

قال الإمام النووي:"وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إني لأراكم من بعدي) أي من ورائي كما في الروايات الباقية قال القاضي عياض، وحمله بعضهم على بعد الوفاة، وهو بعيد عن سياق الحديث" [4] .

ثانيًا سياق المقام: ولما كان هذا السياق يمثل البيئة التفاعلية بين المتحدث والمخاطب، فإنَّ من أعظم الوسائل المعينة على إدراكه: هو معرفة سبب ورود الحديث، الذي هو ثمرة من ثمار جمع روايات الحديث.

وقد تبيَّن من تطبيقات الأئمة أن دلالة سياق المقام واسعة الدلالة، وقد ظهر أثرها في جوانب مختلفة، فمعرفة قصد المتحدث أدت إلى تأويل بعض النصوص على خلاف ظاهرها، فأخرجت النص من مساق الذم إلى مساق المدح، وأثمرت دقة في الاستنباط، ومعرفةً للخاص من العام، واستبعادًا للغريب من الأقوال.

(1) أخرجه البخاري (حديث1175) .

(2) فتح الباري لابن رجب (6/521) .

(3) أخرجه البخاري (حديث709) .

(4) شرح النووي (4/150) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت