الصفحة 43 من 47

ولابد من التأكيد على إشكالية منهجية تواجه الباحث عند النظر في دلالة سياق المقال، وهي اختلاف سياق الألفاظ، مما يؤثر على تطبيق قواعد الاستدلال.

ولدفع هذه الإشكالية فإنه ينبغي أن يكون النظر في سياق متن الحديث تاليًا لجمع روايات الحديث، ومعرفة الوجه الراجح منها عند تعارضها، والحاجة إلى جمع روايات الحديث تشمل النظر في السياق المقالي الخاص لحديث واحد، والسياق المقالي العام لأحاديث متفقة في المعنى.

ودلالة السياق تستدعي النظر في ألفاظ الحديث من أولها إلى آخرها، قال الإمام الشاطبي:"فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره، فإن فرَّق النظر في أجزائه، فلا يتوصل إلى مراده" [1] .

وقد ظهر أثر تطبيق دلالة السياق في كتب شروح الحديث في جوانب مختلفة، فكان لها أثر في تطبيق القواعد النحوية على المتن النبوي، فأفادت ضبط النص النبوي، وكشفت عن معاني حروف العطف، ودفعت بعض الإشكالات اللغوية، وأبانت إلى من يعود الضمير، وعن التطابق بين الشرط والجزاء.

وإليك هذا المثال التطبيقي: حديث: (( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله ... ) ) [2] . قال الحافظ ابن حجر:"فإن قيل: الأصل تغاير الشرط والجزاء، فلا يقال مثلا: من أطاع أطاع، وإنما يقال مثلا: من أطاع نجا، وقد وقعا في هذا الحديث متحدين، فالجواب أن التغاير يقع تارة باللفظ وهو الأكثر، وتارة بالمعنى ويفهم ذلك من السياق" [3] .

وفي مجال الفقه والاستنباط: فإنَّ السياق المقالي أدى إلى جودة الاستنباط، وتحديد صفة الفعل الذي تعلَّق به الحكم، وفي مجال تطبيق القواعد الأصولية فإنَّ السياق يكشف عن الدلالة هل هي عامة أو خاصة، وهل هي مطلقة أو مقيدة.

(1) الموافقات (3/413) .

(2) أخرجه البخاري (حديث1) ، ومسلم (حديث1907) .

(3) فتح الباري (1/16) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت