فمعرفة قصد المتحدث وحال المخاطب من وسائل فهم سياق المقام، فقد يجتمع نصان متفقان في ظاهرهما في المعنى، ولكنهما مختلفان في الدلالة تبعًا لقصد المتحدث، أو حال المخاطب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا موضحًا أثر هذين الأمرين، وأن كل لفظ فهو:"مقيد مقرون بغيره، ومتكلم قد عرفت عادته، ومستمع قد عرف عادة المتكلم بذلك اللفظ، فهذه القيود لا بد منه في كل كلام يفهم معناه، فلا يكون اللفظ مطلقا" [1] . ولابد من الإشارة إلى أنَّ الأطراف المؤثرة في دلالة سياق:"قصد المتحدث، حال الخاطب، البيئة المحيطة بهما"هي أيضًا تتأثر بمعرفة السياق. بمعنى أننا نهتدي إلى هذه المعاني من خلال دلالة السياق، ونهتدي من خلال دلالة السياق إليها.
العلاقة بين السياقين: هذان النوعان ليسا منفصلين عن بعضهما، بل كل منهما يكمل الآخر، ولابد منهما عند التعامل مع النصوص النبوية ليتكامل الفهم، فالاقتصار على السياق المقالي وحده، سيجعل النص بيئة مغلقة تقتصر على ما تفيده الألفاظ من دلالات ومعان، وتحرم الباحث من البيئة الخارجية المحيطة بالنص، والوقف عند دلالة سياق المقام، تجعل الباحث يحوم حول حمى النص دون الولوج إليه.
وقد عوَّل كثيرٌ من الأئمة على دلالة السياق بجانبيها المقالي والحالي في شرح الأحاديث النبوية، وقد جعلت هذا البحث محصورًا في الإشارة إلى نماذج من تطبيقات الأئمة التي ظهر من خلالها أثر دلالة السياق في فهم النص النبوي، وذلك أنَّ غالب الدراسات حول السياق كانت متجهةً نحو آيات القرآن المجيد، وأما الأحاديث النبوية فلم تحظ بدراسات مستقلة للوقوف على أثر معرفة السياق في فهم معنى الحديث النبوي وتحليله، وإنما جاءت الإشارة إليه ضمنًا أثناء شروح الأحاديث:
أولًا: سياق المقال:
(1) مجموع الفتاوى (20/415) .