وقد اختلفت المسالك التي طرقها أهل العلم للنظر بين الروايات المتعددة ، وكيفية الاستفادة منها في فهم كامل النص النبوي ، تبعًا لدلالة تلك الروايات اتفاقًا واختلافًا ، بعد التأكد من ثبوتها .
فالغالب ظهور ترادفها في الدلالة على حكم واحد .
وهذا ما فعله ابن عبد البر في تقرير مسألة جواز الاستجمار مع وجود الماء ، معتمدًا على جميع روايات حديث المغيرة بن شعبة ، وقصة مسيره مع النبي ح في غزوة تبوك ، وأن كافة الروايات دلَّت أن النبي ح لم يأخذ ماءً لما ذهب لقضاء حاجته .
وربما كانت هناك حاجة إلى تدقيق النظر الأصولي فنستنتج أنَّ بعض الروايات أخص أو أعم من غيرها ، أو أنَّ هذه مطلقة وتلك مقيدة .
ومن أمثلة ذلك قول العيني: على حديث النهي عن إدخال اليد في الإناء بعد الاستيقاظ من النوم:"والرواية التي فيها الغمس أبين في المراد من الروايات التي فيها الإدخال ؛ لأن مطلق الإدخال لا يترتب عليه الكراهة كمن أدخل يده في إناء واسع فاغترف منه بإناء صغير من غير أن تلامس يده الماء « [1] ."
وفي أحيان أخرى تختلف دلالتها وتتعارض في الظاهر ألفاظها فالمتبع:
-أولًا: الجمع بينها مع إمكانه بوجه معتبر ، دون تكلف أو لَيٍّ للنص .
كما فعل ابن حجر بقوله::"والحاصل: أن أكثر الروايات وردت بلفظ"فأتموا"، وأقلها بلفظ"فاقضوا"، وإنما تظهر فائدة ذلك إذا جعلنا بين الإتمام والقضاء مغايرة ، لكن إذا كان مخرج الحديث واحدًا واختلف في لفظة منه وأمكن رد الاختلاف إلى معنى واحد كان أولى ، وهنا كذلك ؛ لأن القضاء وإنْ كان يطلق على الفائت غالبًا ، لكنه يطلق على الأداء أيضًا ، ويرد بمعنى الفراغ" [2] .
-وإلاَّ فالترجيح بمرجِّح يقوى على ذلك ، وتظهر به طيش كفة الرواية أو الروايات الأخرى أمام هذا الوجه .
(1) عمدة القاري ( 2 / 313 ) .
(2) فتح الباري ( 2 / 119 ) .