فقد تجلَّى بوضوح أنَّ بذل الجهد في استعمال كل أدواته ، من لفظ ، أو زمان ، أو مكان ، أو قرينة ، يُسْهم في الوصول إلى الفهم التكاملي الصحيح .
وإنْ كان قد حصل من بعضهم توسع في دلالته ، وتحميلها من المعاني مالا تحتمله .
وتبينا من خلال تطبيقاتهم أنَّ فهم السياق وضبط قانونه مؤثر في:
-تقرير مسألة علمية ابتداءً .
وتأمل قول ابن حجر:: » وفيه - حديث الجارية السوداء التي كانت تبيت في المسجد - فضل الهجرة من دار الكفر ، وإجابة دعوة المظلوم ولو كان كافرًا ؛ لأن في السياق أن إسلامها كان بعد قدومها المدينة ، والله أعلم « [1] .
-الموازنة بين الأقوال .
-الرد على الخصم .
-الترجيح في المسألة .
وتظهر هذه الثلاثة في صنيع ابن عبد البر: لما ردَّ قول الحنفية في مسألة طواف وسعي القارن ؛ إذ قال:: » قال أبو عمر: أما قولهم - يقصد الحنفية ومَنْ معهم ممن تأوَّل حديث عائشة ل -: إنَّ عائشة أرادت بقولها: وأما الذين جمعوا الحج مع العمرة فإنما طافوا لهما طوافًا واحدًا ، أرادت جمع متعة لا جمع قران ، فدعوى لا برهان عليها ، وظاهر حديث عائشة وسياقه يدل على أنها أرادت الذين قرنوا الحج والعمرة ؛ لأنها فصلت بالواو بين مَنْ أهلَّ بحج ، وبين مَنْ أهلَّ بعمرة فتمتع بها ، وبين مَنْ جمع الحج والعمرة « [2] .
-تأكيد معناه ودلالته للقواعد الكبرى ، والأصول الجامعة .
ومثال ذلك قول ابن رجب:: » وقول النبي ح:"مَهْ"زجر لعائشة عن قولها عن هذه المرأة في كثرة صلاتها ، وأنها لا تنام الليل ، وأمر لها بالكف عما قالته في حقها ؛ فيحتمل أنَّ ذلك كراهية للمدح في وجهها ؛ حيث كانت المرأة حاضرة ، ويحتمل - وهو الأظهر وعليه يدل سياق الحديث - أن النهي إنما هو لمدحها بعمل ليس بممدوح في الشرع" [3] ."
(1) فتح الباري ( 1 / 535 ) .
(2) التمهيد ( 15 / 224 ، 226-227 ) .
(3) فتح الباري ( 1 / 164 ) .