الصفحة 28 من 47

وفي فقه الحديث خاصة فإن من الأمور التي لا تظهر لمن ينظر في الحديث منفردا عن غيره، ما يكون قد أحاط بالحديث زمن وروده من الملابسات وقرائن الأحوال. فكثيرا ما يقف الناظر على الحديث في كتاب من كتب الحديث فلا يظهر له منه إلا أسماء رجاله الذين رووه، ومتنه الذي يقوم به معناه، فيلزمه أن يعبر بنظره إلى مواضع أخرى ويلتفت إلى جهات أخرى لعله يظفر بالحال والمقام والزمان الذي ورد فيه ذلك الحديث. وإن فائدة ذلك تتجلى في معرفة فقه الحديث على وجهه، وفي العمل به وتنزيله على محله. ولهذا نص العلماء على أن من مسالك الفهم الصحيح للحديث استحضار ما ارتبط بالحديث من أسباب خاصة إما منصوص عليها في موضع آخر أو مفهومة من الواقع الذي سيق فيه الحديث. فالحكم الذي يحمله الحديث قد يظهر عاما مطلقا، لكنه باعتبار ملابساته وسبب وروده يتبين أنه ورد على سبب خاص وارتبط بعلة معينة يبقى ببقائها ويزول بزوالها، أو له مقام خاص يحمله على معنى خاص لا يظهر إلا لمن استحضر هذا المقام. فاللوازم هي كل ملابسات النص ومتعلقاته من جهة الزمان والمكان والأشخاص، مثل أسباب الورود والسياق العام والخاص، والقرائن، والمقاصد والعلل، ومآلات العمل بالنص، وراوي الحديث وأحواله وأخباره . وهذه الملابسات هي التي تفرقت عند علماء الحديث وعلماء أصول الفقه تحت تسميات متنوعة مثل ظروف الورود وأسبابه، ومقاصد الشريعة وكلياتها، والمقام، ومقتضى الحال، والقرائن، والسياق، وظروف الخطاب، وحال المتكلم، والعناصر غير اللغوية في فهم الخطاب، أو العناصر فوق لغوية. وكل هذه الاصطلاحات بينها عموم وخصوص، ومنها ما يطلق على ذلك كله. ومعنى هذا أن لوازم النص كثيرة ومتنوعة، وقد يكون لكل نص لوازمه الخاصة التي ليست لغيره، فهي كل ما يحتف بالنص من الأحوال الزمانية والمكانية، وما يتعلق به من الأشخاص والأماكن والقضايا والأحكام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت