الصفحة 16 من 47

ولأن الظاهر أنهم لم يتركو النصّ الآخر إلا لحجة عندهم ، وهذا ما أكده الدكتور محمد المختار ولد اباه في المسألة حيث قال:"أن من صنيع الإمام مالك أن يورد في الباب عدّة أحاديث ثم يعقب على بعضها بقوله: «وهذا أحب ما سمعت» ، وفي هذه العبارة ترجيح قد يستند على بعض طرق الترجيح المعروفة ، وقد اعتمد الإمام مالك في الموطأ نوعين منها: أحدهما: الأحدث من أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وصرح بذلك في حديث"خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة في رمضان ولما وصل إلى كديد أفطر"، فعقب الإمام مالك على ذلك بقوله: « وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم » ، ثانيهما: أن يصاحب الحديث عمل يبيَّن إجماله ويعزُّز استمرارية الحكم ، مثل أخذه بقول عائشة في"صحة صيام من أصبح جنبا"" [1] . ومن أمثلة الترجيح أيضا بين مختلف الحديث بآثار الصحابة و التابعين: ما أخرجه مالك عن ابن شهاب - مرسلا -:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وكانوا يمشون أمام الجنازة ، والخلفاء هلّم جرّا ، وعبد الله بن عمر..." [2] . يفيد هذا الحديث جواز المشي أمام الجنازة عن النبي صلى الله عليه وسلم . ثم أردف الحديث بأثرين: الأوّل:"عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير أنه أخبره: أنه رأى عمر بن الخطاب يَقْدُم الناس أمام الجنازة ، في جنازة زينب بنت جحش"؛ والثاني: عن هشام بن عروة أنه قال:"ما رأيت أبي قط في جنازة إلا أمامها ، قال: ثم يأتي البقيع فيجلس حتى يمرُّوا عليه". ثم ختم الباب أخيرا، بما جاء به ابن شهاب أنه قال:"المشي خلف الجنازة من خطأ السنة" [3] ؛

(1) - مدخل إلى أصول الفقه المالكي، محمد المختار ولد أباه: ( ص/ 167 ) .

(2) - رواه مالك في: الجنائز، باب المشيء أمام الجنازة ، رقم: ( 535 ) .

(3) - انظر تخريج هذه الآثار في الموطأ الموضع السابق ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت